في ذكرى اعدامهم .. تعرف على قصة الشهداء (محمد جمجوم ,عطا الزير ,فؤاد حجازي)

     

رام الله مكس

قصة هؤلاء الأبطال الثلاثة بدأت بثورة ولم تنته حتى اليوم، بـدأت عنـدما اعتقلـت قـوات الشـرطة
البريطانية مجموعة من الشبان الفلسطينيين إثر ثورة البراق ، هذه الثورة التي بدأت عندما نظم قطعـان
المستوطنين مظاهرة ضخمة بتاريخ ١٤ آب ١٩٢٩ بمناسبة ” ذكرى تدمير هيكل سليمان أتبعوهـا فـي
اليوم التالي ١٥/آب بمظاهرة كبيرة في شوارع القدس لم يسبق لها مثيل حتى وصـلوا إلـى حـائط
البراق مايسمى بحائط المبكى اليوم” وهناك رفعوا العلم الصهيوني وراحوا ينشدون ” النشـيد القـومي
الصهيوني” وشتموا المسلمين … وكان اليوم التالي هو يوم الجمعة ١٦/آب والذي صادف ذكرى المولـد
النبوي الشريف، فتوافد المسلمين للدفاع عن حائط البراق الذي كان في نية اليهود الاستيلاء علية.. فكان
لا بــد مــن الصــدام بــين ا لعــرب والصــهاينة فــي مختلــف المنــاطق الفلســطينية .

كان الاعتقال يحمل معناً واضحاً بالدعم التام والمطلق للصهاينة، وهذا ما لم يرضى به أهالي كـل مـن
صفد والخليل وباقي المدن والقرى الفلسطينية ، ولهذا قامت قوات الشرطة باعتقال ٢٦ فلسـطينياً ممـن
شاركوا في الدفاع عن حائط البراق وحكمت عليهم بالإعدام وقد تم تخفيف هذه العقوبة إلى السجن المؤبد
عن ٢٣ منهم مع الحفاظ على عقوبة الإعدام بحق الشهداء الثلاثة ، محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطـا
الزير. ونبذة من حياة الشهداء تبين مدى دعم القوات البريطانية للصهاينة ورفضها لأي شكل من أشـكال
المقاومة ضدهم.

فـــــــــــــــــــؤاد حجـــــــــــــــــــازي (١٩٠٤-١٩٣٠)

أول الشهداء الثلاثة الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني في سـجن عكـا عقـب ثـورة البـراق
وأصـــــــــــــــــــــــغرهم ســـــــــــــــــــــــنا.

ولد في مدينة صفد وتلقى فيها دراسته الابتدائية ثم الثانوية في الكلية الاسكتلندية، وأتم دراسته الجامعيـة
في الجامعة الأمريكية ببيروت. عرف منذ صغره بشجاعته وجرأته وحبه لوطنه واندفاعه من أجـل درء
الخطر الصهيوني عنه. وشارك مشاركة فعالة في مدينته في الثورة التي أعقبت أحـداث البـراق سـنة
١٩٢٩ وقتل وجرح فيها مئات الأشخاص، أصدرت حكومة الانتداب حكما بإعدام ٢٦ شخصا عربيا من
المشاركين فيها ثم استبدلت به حكم السجن المؤبد على ٢٣ شخصا وأكدت الحكم بإعدام الثلاثة الآخرين
وهـــم فـــؤاد حســـن حجـــازي، وعطـــا الزيـــر، ومحمـــد جمجـــوم.

وحددت يوم ١٧ /٦ /١٩٣٠ موعداً لتنفيذ الأحكام على الرغم من الاستنكارات والاحتجاجات العربيـة .
وقد خلد الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان في قصيدته الشهداء الثلاثة (الثلاثاء الحمراء).

محمـــــــــــد خليـــــــــــل جمجــــــــــــوم (١٩٠٢-١٩٣٠)

هو واحد من الشهداء الثلاثة الاوائل الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطانية سنة ١٩٢٩ عقب ثـورة
البـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــراق.

ولد في مدينة الخليل وتلقى دراسته الابتدائية فيها. وعندما خرج للحياة عرف بمقاومته للصهيونيون فكان
يتقدم المظاهرات التي تقوم في أرجاء مدينة الخليل احتجاجا على شراء أراضي العـرب أو اغتصـابها .

وبعد أن شملت ثورة البراق (١٩٢٩ (عددا كبيرا من المدن والقرى في مقـدمتها يافـا وحيفـا وصـفد
بالإضافة إلى القدس، كان لا بد من الصدام بين عرب مدينة الخليل والصهاينة، حيث قـاد المظـاهرات
هنـــاك.

قبضت السلطات البريطانية على عدد من العرب في مقدمتهم محمد خليل جمجوم وعطا الزيـر وفـؤاد
حجازي وأصدرت أحكاما بإعدام ٢٦عربيا ثم استبدلت بالإعدام السجن المؤبد لثلاثـة وعشـرين مـنهم
وأبقت حكم الإعدام على هؤلاء الأبطال الثلاثة وحددت يوم الثلاثاء ١٩٣٠/٦/١٧ موعـدا لتنفيـذه فـي
سجن عكا، ولم تستجب هذه السلطات للمطالية بتخفيض حكم الإعـدام علـيهم إلـى السـجن المؤبـد .

وعندما أبلغهم الجلاد موعد تنفيذ الحكم بدأ محمد جمجوم ورفيقاه بإنشاد نشيد: “يا ظلام السجن خيم”، ثـم
استقبلوا زائريهم قبل إعدامهم بساعة وأخذوا بتعزيتهم وتشجيعهم وهم وقوف بملابس السجن الحمـراء .

وفي الساعة التاسعة من يوم الثلاثاء ١٩٣٠/٦/١٧ نفذ حكم الإعدام شنقا بالشهيد محمد جمجوم، وكـان
ثاني القافلة الثلاثية رغم أنه كان مقررا أن يكون ثالثهما فقد حطم قيده وزاحم رفيقه عطا الزيـر علـى
الدور الثاني حتى فاز ببغيته.

عطــــــــــــــــــــــــا الزيــــــــــــــــــــــــر

واحد من الشهداء الثلاثة الأوائل الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني في سجن عكا عقـب ثـورة
البـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــراق.

ولد في مدينـة الخليـل، وألـم بـالقراءة والكتابـة إلمامـا قلـيلا، وكـان يقـرض الشـعر أحيانـا .

عمل في عدة مهن يدوية، واشتغل في الزراعة، وعرف عنه منذ الصـغر جرأتـه وقوتـه الجسـمانية،

واشترك في المظاهرات التي شهدتها مدينة الخليل احتجاجا على هجرة الصهيونيين إلـى فلسـطين، ولا
سيما إلى مدينة الخليل. وفي ثورة البراق عام ١٩٢٩ هب عطا الزير مع غيره من سكان الخليل مـدافعا
عن أهله ووطنه ، بكل ما لديه من قوة.

وشهدت مدن فلسطين صداما داميا بين العرب والصهاينة وفـي
الخليـــل نفســـها قتـــل ســـتون صـــهيونيا وجـــرح أكثـــر مـــن خمســـين .

ألقت سلطات الانتداب القبض على عدد كبير من العرب، وحكمت على ٢٦ منهم بالإعدام، ثـم أبـدلت
الإعدام سجنا مؤبدا لثلاثة وعشرين منهم، بينما أبقته على عطا الزير ومحمد جمجوم وفـؤاد حجـازي
الــــــــذين نقلــــــــوا إلــــــــى ســــــــجن عكــــــــا .

وفي يوم الثلاثاء ١٧ /٦ /١٩٣٠ اليوم الذي حدد لتنفيذ حكم الإعدام استقبل الشهداء زائـريهم بملابـس
الإعدام الحمراء قبل التنفيذ بساعة، ثم طلب عطا الزير حناء ليخضب بها يديه على عادة أهل الخليل في
أعراسهم وأفراحهم، وقد طلب زميله ورفيقه محمد جمجوم أن يشنق قبله، وفاز بأمنيته. وعنـدما قـاده
جلاده إلى منصة الإعدام طلب أن تفك قيوده لأنه لا يخشى الموت، فرفض طلبه، وعندها حطـم عطـا
الزيــر السلاســل بقــوة عضــلاته، وتقــدم نحــو المشــنقة رافــع رأســه مبتســم المحيــا .

حدد يوم ١٧/٦/١٩٣٠ موعداً لتنفيذ حكم الإعدام بحق الأبطال الثلاثة الذين سطروا في هذا اليوم أروع
قصيدة وأعظم ملحمة، في هذا اليوم تحدى ثلاثهم الخوف من الموت إذ لم يكن يعني لهم شيئاً بل علـى
العكس تزاحم ثلاثتهم للقاء ربهم. كان محمد جمجوم يزاحم عطا الزير ليأخذ دوره غير آبه، وكان له مـا
أراد. أما عطا وهو الثالث، طلب أن ينفذ حكم الإعدام به دون قيود إلا أن طلبه رفض فحطم قيده وتقـدم
نحــــــو المشــــــنقة رافــــــع الــــــرأس منشــــــرح الوجــــــه .

وفي الساعة التاسعة من نفس اليوم نفذ حكم الإعدام بمحمد جمجوم الذي كان ثاني قافلة الشـهداء وقبـل
ساعة من موعد تنفيذ الحكم، استقبل محمد جمجوم وفؤاد حجازي زائرين أخذو هم بتعزيتهم وتشـجيعهم
فقال محمد جمجوم “الحمد الله أننا الذين لا أهمية لنا نذهب فداء الوطن لا أولئك الرجـال الـذين يسـتفيد
الوطن من جهودهم وخدماتهم” وطلب مع رفيقه فؤاد حجازي “الحنَّاء” ليخضبا ايديهما كعادة أهل الخليـل
فــــــــــــــــــــــي أعراســــــــــــــــــــــهم.

أما فؤاد حجازي وهو أول القافلة يقول لزائريه: ” إذا كان إعدامنا نحن الثلاثة يزعزع شيئاً من كـابوس
الانكليز على الأمة العربية الكريمة فليحل الإعدام في عشرات الألوف مثلنا لكي يزول هذا الكابوس عنا
تماماً “…. وقد كتب فؤاد وصيته وبعث بها إلى صحيفة اليرموك فنشرتها في اليوم التالي وقد قـال فـي
ختامها: “إن يوم شنقي يجب أن يكون يوم سرور وابتهاج، وكذلك يجب إقامة الفرح والسرور فـي يـوم
١٧ حزيران من كل سنة. إن هذا اليوم يجب أن يكون يوماً تاريخياً تلقى فيه الخطب وتنشد الأناشيد على
ذكـــرى دمائنـــا المهراقـــة فـــي ســـبيل فلســـطين والقضـــية العر بيـــة.”

وهكذا أعدم الثلاثة، وتركوا الدنيا لأهل الدنيا، ومضوا يحملون جهادهم في سبيل مقدساتهم عملاً صـالحاً
يقابلون به وجه ربهم، تركوا دماءهم تقبل وجه هذه الأرض فتزهر ورداً أحمر، شـجراً واقفـاً أخضـر
وشهيداً تلو شهيد.