عازف الفلافل…عامر طحاينة – رام الله مكس

عازف الفلافل…عامر طحاينة

   

رام الله مكس- وكالات

 

تتطاير حبّات الفلافل الساخنة في مطعم شعبي وسط جنين، ويحرص مالكه عامر عدنان طحاينة على تقليد يومي منذ 24 سنة، فيقذف بمكونات الوجبة الشعبية الشهيرة في الهواء، قبل أن تستقر في أرغفة الخبز أو أكياس الورق، فيما يُصدر الملقط المعدني أصواتًا متناغمة تشبه العزف، وهي تلتقط الحبات الساخنة بسرعة وخفة يد.

يسرد الأربعيني بابتسامة عريضة: لا أتخيل عملي دون رمي الفلافل إلى أعلى ثم اللحاق بها بالسندويشة، فقد صار الأمر جزءًا مني، وأفعله طوال اليوم. وبالصدفة تقع من يدي حبة أو اثنتان.

مهارة وجذب

وتأثر طحاينة بأسلوب تسويق الفلافل الغريب هذا بزميله رفيق، الذي عمل معه في مطعم بمدينة العفولة عدة سنوات، قبل أن يستقر في جنين منذ عام 1998، وحينها كان الفتى عامر يسترق النظر، ويتعجب من مهارات صاحبه الذي يكبره بسنوات عديدة، وخاصة أن الفلافل تقفز في الهواء، ثم تعود أدراجها، دون الوقوع على الأرض.

يقول: المحافظة على عادة البيع بهذه الطريقة تميّز صاحبها عن غيره، وتجذب أعدادًا كبيرة من الزبائن، الذين يوثّقون بالصورة مشهد رمي الفلافل في الهواء وإعادة التقاطها، فيما يأخذ بعضهم “السيلفي” معي، وينشر رواد المكان، وأغلبهم من مناطق الداخل المحتلة عام 1948 مقاطع الفيديو خلال العمل.

يزيد: في إحدى المرات الطريفة، وقعت حبة على رأس إحدى السيدات المارات على الرصيف، فاستغربت من وصولها إليها، وحين اقتربت، أخبرتها بأنها طارت من مطعم بعيد 200 متر، فضحكت، وتناولت وجبة ثم غادرت.

فنّان وموسيقى

يتابع طحاينة الذي أبصر النور في سيلة الحارثية عام 1975: عملت عدة سنوات عازف “أورغ”، ورافقت الفنانين: إبراهيم صبيحات، ومصطفى الخطيب، وأحمد الكيلاني. وحينها، كنت أتفرغ في النهار للمطعم، وأذهب إلى الطرب والغناء ليلاً، لكنني لم أستطع الاستمرار، فتركت الأدوات الموسيقية، وصرت أعزف بحبات الفلافل وحدها.

ومما يورده العازف، فإن موسيقى الفلافل تطرب الآذان، كما ترسم ابتسامات ودهشة على وجوه الزبائن، الذين يلتقطون الصور، ويعجبون بالقفزات العديدة للأقراص المصنوعة من الحمص والبقدونس والبهارات.

يوالي: بدأت العمل في سن مبكرة، وتنقلت بين مطاعم الداخل، ووصلت إلى جنين عاملاً، واشتغلت مع زميلي المعلم رفيق فترة، ثم أسست مطعمي الخاص، وصرت أوظف ثمانية عمّال.

يعزف طحاينة بالفلافل عشر ساعات يوميًا، دون كلل، ويطيّر يوميًا نحو 10 آلاف منها، تزيد في المناسبات والأعياد إلى الضعف، ولم يستطع عماله تقليده، وعجز أصحاب مطاعم منافسة عن تكرار تجربته، ولا يزعجه طلب الزبائن الدائم توثيق مشاهد هبوط الفلافل وصعودها في الهواء، كما لم يشاهد طريقته في الأردن ومصر والسعودية التي زارها.

وتسمى الوجبة الشعبية في مصر والسودان “طعميّة”، ويطلق اليمنيون عليها “الباجية”، وتحتفظ بالاسم الأصلي في دول الجوار، ويضاف لها السمسم في القدس ونابلس، لكن طحاينة يحرص على تقليد تركها دون بصل أو إضافات أخرى، ويفضل أقراصها الصغيرة.

ويتابع: لم يسبق أن وصلت الحبات إلى سقف المطعم، وأول ما تعلمت الطريقة كنت أرمي بعض الفلافل على الأرض، ويمكن للكيلو غرام الواحد من الحمص تقديم 70 حبة تصل كلها إلى ملقطي، وتقفز في الهواء، وحين أخرج في استراحة أو أضطر للغياب يفتقدني الزبائن، وبخاصة القادمون من داخل الخط الأخضر، ويطالبون بعودتي.

تضخّم واختلاف

ووفق الراوي، الذي يساعده ولداه عمرو (18 عاماً) وبكر (16 عامًا)، وتفتقده في النهار صغيرتاه همس ورماس، فإن أسعار الفلافل تغيّرت كثيرًا في عشرين سنة، فقد كان الرغيف الواحد يباع بشيقل، ثم قفز إلى شيقلين، بعدها صار بثلاثة وبثلاثة ونصف، واليوم استقر عند الأربعة شواقل، فيما يباع في الداخل المحتل بـ 18 شيقلاً. أما أسعار الحمص فقد قفزت من شيقلين قبل 20 سنة إلى عشرة شواقل هذه الأيام، أما طريقة البيع فتحافظ على نفسها.

يواظب عامر على تناول ما يصنعه يوميًا، ولا يملّ منه، ولا يغيب عنه إلا أيام الجمع، ويعتقد أن السر في جذب الزبائن ليس فقط طريقة تقديم حبات الفلافل، بل الابتسامة الدائمة، والترحيب الحار، والخلطة الطيبة لمحتوى الأقراص الشعبية وتوابعها.

تقول هبة القادمة من الجليل: لا نشاهد طريقة بيع فلافل مشابهة لما نراه هنا، ولفت الموضوع انتباه أطفالي، الذين يرفضون أكل وجباتهم إلا بعد أن تطير في الهواء، وقبلها يسمعون صوت الملقط الذي يجمع الحبات من بعيد، والجميل أيضًا أن الأيدي لا تلمس الفلافل أبدًا.

 

 

تقرير:عبد الباسط خلف