دراسة: أنت وصديقك .. أدمغتكما متشابهة!

     

رام الله مكس – عرف الباحثون منذ فترة طويلة أن الناس يختارون الأصدقاء الذين يشبهونهم في مجموعة واسعة من الخصائص: من نفس العمر، أو العرق، أو الدين، أو الوضع الاجتماعي الاقتصادي، أو المستوى التعليمي، أو الميل السياسي، أو مستوى النضج، أو حتى قوة القيادة والكاريزما.

إن الدافع نحو الصداقة والترابط مع الآخرين يوجد في كل المجتمعات الحديثة والقديمة وبين الجماعات التقليدية للصيد الجماعي والجمعيات الرأسمالية المتقدمة على حد سواء.

لكن الأبحاث الجديدة تشير إلى أن جذور الصداقة تمتد إلى أعمق مما كان يُعتقد في السابق؛ فقد استخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي لفحص وظائف أدمغة الأشخاص خلال مشاهدة لأفلام فيديو فوجدوا أن الاستجابات العصبية عند مشاهدة الأفلام السمعية والبصرية تتشابه بشكل استثنائي بين الأصدقاء، وهذا التشابه يتناقص مع زيادة المسافة الاجتماعية بين الناس في العالم الحقيقي، فصديقك المقرّب يستجيب عصبياً ودماغياً مثلك بدرجة أكبر بكثير من صديق غير مقرب أو من معارف عاديين، حسب الدراسة التي نشرتها مجلة Nature.

اتضح أن القرب الاجتماعي مرتبط بشكل كبير بتشابه الاستجابة العصبية في مناطق الدماغ المشاركة في التخصيص المتعمد والتفسير السردي والاستجابة العاطفية، ما يوحي بأن الأصدقاء قد يكونون متشابهين بشكل استثنائي في كيفية تفاعلهم وتفسيراتهم ورد فعلهم العاطفي تجاه محيطهم.

تقدم النتائج دليلاً على الإحساس المبهم لدينا؛ بأن الصداقة هي أكثر من مجرد المصالح المشتركة أو التحقق من المربعات المشتركة على ملف فيسبوك. يتعلق الأمر بشيء نطلق عليه اسم الكيمياء الجيدة.

“النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى أن الأصدقاء قد يكونون متشابهين في كيفية الاهتمام بالعالم من حولهم ومعالجتهم”، قالت د. كارولين باركنسون. “يمكن أن تؤدي هذه المعالجة المشتركة إلى جعل الأشخاص لديهم نوع من التفاعل الاجتماعي السلس الذي قد يكون مفيداً للغاية” حسب تقرير لصحيفة New York Times الأميركية عن الدراسة نفسها.

وتعتبر الدراسة جزءاً من الاهتمام العلمي المتزايد بطبيعة الصداقة وبنيتها وتطورها، فالصداقة صار ينظر لها كاحتياج إنساني يؤدي فقده لنتائج وخيمة وعوامل خطر جسدية وعاطفية مماثلة لتلك التي تسببها السمنة وارتفاع ضغط الدم وعدم ممارسة الرياضة وتدخين السجائر.

ويريد العلماء أن يعرفوا بالضبط ما يجعل الصداقة صحية واجتماعية وما يجعلها مؤذية للغاية، وقد أظهر د. كريستاكيس وزملاؤه مؤخراً أن الأشخاص ذوي العلاقات الاجتماعية القوية لديهم تركيزات منخفضة نسبياً من الفيبرينوجين، وهو بروتين مرتبط بنوع من الالتهاب المزمن يعتقد أنه مصدر العديد من الأمراض. وهذا يعني أن العلاقات الاجتماعية قد تساعد في منع التهاب لا يزال غير واضح، حسب الدراسة التي نشرتها مكتبة الطب الوطنية الأمريكية.

كما انبهر الباحثون بأدلة على الصداقة بين الحيوانات غير البشرية، فقد وجدوا نتائج شبيهة لدى حيوانات مثل الرئيسيات والدلافين والفيلة.

أنماط الاستجابة العصبية التي أثارتها مقاطع الفيديو -على موضوعات متنوعة مثل مخاطر كرة القدم في ساحة المدرسة، وسلوك المياه في الفضاء الخارجي، ومقطع للكوميديا ​​الارتجالية لكوميدي مشهور وغير ذلك- أثبتت انسجاماً دماغياً خاصاً بين الأصدقاء، مقارنة بأنماط المشاهدة بين الناس الذين لم يكونوا أصدقاء، يمكن للباحثين التنبؤ بقوة الروابط الاجتماعية بين شخصين على أساس مسح الدماغ وحده.

ووجد العلماء أن الأصدقاء بنفس الطريقة من حيث الضيق أو تضخم الانتباه، ويعطي الدماغ تأثيرات متشابهة مثلاً في حالة المكافآة أو الملل، مما يشير إلى أننا نشعر بشكل استثنائي بأصدقائنا ونتأثر بهم كثيراً في إدراكنا للعالم من حولنا والاستجابة له.

وقالت كارولين باركنسون، من جامعة كاليفورنيا في لوس آنجلوس، “صدمني حجم التشابه الاستثنائي بين الأصدقاء. النتائج كانت أكثر إقناعاً مما كنت أفكر فيه”.

وقال نيكولاس كريستاكيس، مؤلف كتاب “قوة شبكاتنا الاجتماعية وكيف تؤسس عالمنا” وطبيب بيولوجي في جامعة ييل، “أعتقد أنها ورقة مبتكرة بشكل لا يصدق”. “فهي تفترض أن الأصدقاء يشبهون بعضهم البعض ليس فقط بشكل سطحي، ولكن في تكوين عقولهم.”