بالصور..عبق التاريخ يفوح من فرن “منى” العربي بنابلس

     

نابلس-رام الله مكس-وكالات
لا يستطيع المارّ من حارة التوباني بالبلدة القديمة في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، في ساعات عصر أيام شهر رمضان أن يقاوم رائحة الشواء المنبعثة من داخل فرن “منى” العربي فيسيل لها لعابه قبل أن يحين موعد الإفطار.
فرن “منى” واحد من أقدم وأشهر الأفران العربية التي لا تزال تعمل في نابلس، ويفوح منها عبق التاريخ ممزوجًا بروائح ما لذ وطاب من أصناف الطعام.
داخل بهو الفرن، ينشغل “المعلم” هلال منى بتوضيب صواني الطعام التي تبدأ بالتوافد عصرًا، قبل أن يُدخلها إلى بيت النار، والعرق يتصبب من جبينه بفعل اللهب.
هلال (60 عاما)، الذي ورث هو وإخوته المهنة عن أبيهم يمثل الجيل الثالث في عائلة اشتهرت بمهنة “الفِرانة” أو صناعة الخبز، منذ ما يزيد عن مائة عام.
ويقول هلال: “ورث أبي المهنة عن جدي، وورثناها نحن عن أبينا”، مبينا أنه يعمل في هذا الفرن منذ أن كان طفلا قبل نحو 50 عاما.
ويضيف “كان جدي يملك فرنا في موقع آخر، وانتقل مع أبي في خمسينات القرن الماضي إلى هذا المكان الذي كان كذلك فرناً يملكه آخرون”.
ويشير هلال بيده إلى مجموعة صور مثبتة في أحد الجدران، قائلا: “تلك الصورة تعود لجدي، وتلك لأبي، أنور منى، أما تلك فهي تجمعنا أنا وإخوتي وأبانا داخل الفرن”.
تتنوع أذواق الصائمين في رمضان من زبائن فرن منى، بين صواني الدجاج، والكفتة، والمناديل، والسمك، والموزات، ويزداد الطلب على “القِدرة” بشكل ملحوظ.
ومع مرور الوقت، واقتراب موعد الإفطار، تزداد أعداد الزبائن، وتزداد معهم أعداد الصواني التي تأخذ مكاناً وتتراص جنبا إلى جنب داخل بيت النار، فيما يتلوى أصحابها بانتظار خروجها، وشوقا لموعد الإفطار.

خصوصية رمضان

ويشير هلال إلى أن نظام عملهم في رمضان ينقلب بعكس ما هو عليه في باقي شهور السنة، تبعا لخصوصية الشهر الفضيل.
ويقول: “طوال العام نبدأ العمل بعد صلاة الفجر وحتى العصر، لكن في رمضان يبدأ العمل عصرا وحتى قبيل الغروب.
كما يتراجع إنتاج الخبز في الفرن برمضان، حيث يعتمد في باقي الأشهر على إعداد المعجنات، والتي لا تشهد إقبالاً في رمضان.
وفي باقي أشهر السنة، يشتهر فرن منى بإعداد المعجنات كأرغفة البيض، واللحم، والجبن، والزيت والزعتر وغيرها.
وفي الأيام الأخيرة من رمضان، يدخل صنف جديد إلى قائمة المشويات، وهو كعك العيد “المعمول”.
ولا يخفي هلال المشقة التي يتكبدها نتيجة العمل في رمضان، خاصة عندما يتزامن رمضان مع فصل الصيف، فحرارة الجو ولهيب الفرن يصيبانه بالجفاف والإرهاق.
ومع ذلك، فهو يشعر بلذّة في العمل بهذه المهنة، ويقول: “اعتدنا على قسوة العمل في رمضان، فهذه مهنتنا وليس لنا بديل عن العمل وكسب أرزاقنا”.

مذاق مميز

ويؤكد هلال أن اعتماد الفرن العربي على الحطب، يُكسب الطعام مذاقا مميزا لا يتوفر في الأفران التي تعمل بالوقود أو الكهرباء.
ورغم توفر أفران الغاز والكهرباء في غالبية البيوت، إلا أن الكثيرين، ومنهم أبو نايف عصفور، يحرصون على شيّ أطباقهم المفضلة في فرن منى، طلباً للمذاق المميز.
ويقول عصفور إنه زبون دائم لدى فرن منى طوال العام، وإنه يقصده للحصول على الطعم المميز، لما يتمتع به أصحاب الفرن من خبرة طويلة في شيّ الصواني، تتفوق على خبرة ربات البيوت.
ويخبر عصفور المعلم هلال بأن صينية اللحم التي أتى بها جاهزة للشيّ، لكن الأخير يخبره بأن كمية الماء فيها غير كافية، فيضيف لها بعض الماء من قارورة بجانبه.
وبعد مرور نحو ساعة أمضاها بشراء احتياجاته من السوق، عاد عصفور لاستلام صينيته جاهزة، ومضى بها إلى بيته يسابق الزمن قبل أن يحين أذان المغرب.

المصدر:وكالة صفا