أم الفحم شاهدة على الجريمة: حين حوّل الرصاص الفرح إلى مأتم

       

رام الله مكس-وكالات
تعددت الجرائم وازدادت ضحاياها في المجتمع العربي الفلسطيني في أراضي الـ48، وسط تقاعس الشرطة وصمت المجتمع.
ملابسات وتفاصيل كثيرة تختلف أحيانا وتتشابه أحيانا أخرى بين جريمة وأخرى، ولكل ضحية قصة مؤلمة تترك في القلب لوعة وحسرة.
قصص دامية تصور مشاهد ومشاعر حاصرها ألم فراق أعزاء سقطوا ضحايا جرائم قتل أبطالها قتلة مجرمون تجردوا من إنسانيتهم وتحولوا إلى وحوش.
نسردُ هنا تفاصيل إحدى الجرائم التي هزت أركان المجتمع العربي عموما ومدينة أم الفحم خصوصا.
في 18 نيسان/ أبريل 2018 وعند حلول المساء، اقترفت يد الإجرام جريمة قتل مزدوجة في أم الفحم. أطلق المجرمون النار بشكل عشوائي في حفلة فرح (تعليلة)، سقط كل من الطفل فرسان خالد أحمد أبو عزيز أبو مقلد، في الصف الثامن إعدادي (14 عامًا) وعمه شفيق أبو مقلد (40 عاما)، كما أصيب آخران بجروح.
كانت ساحة البيت مزيّنة بألوان الفرح في ذاك اليوم، ساد الصمت فجأة وتحوّل الفرح إلى مأتم.
تعالت الصرخات الموجعة بعد الصمت الذي قذف في قلوب الحاضرين رعبا، صوت أزيز الرصاص كان ينذر بحدوث ما هو أعظم وأخطر من قتل طفل وعمه.
تروي والدة الطفل المرحوم فرسان، عبلة أبو مقلد، لـ”عرب 48″ تفاصيل اللحظات الأولى لمقتل ابنها وعمه قبل ما يزيد عن الشهر بألمٍ ولوعة، حين اقتحم ملثمون ساحة المنزل واقترفوا الجريمة خلال فرح للعائلة.

لا تزال الصورة الأخيرة للطفل، ضحية الجريمة، تُلازم والدته الثاكل، صوته لا يفارقها، تحاول حفظه في ذاكرتها وكأن فرسان ما زال يناديها في البيت، “ماذا أقول عن فرسان؟ كان الابن المدلل، أشقاؤه يحسدونه على معاملتي له، لماذا تحبي فرسان كل هذا الحب؟ يسألون. لأن فرسان كان بكفة والآخرين بكفة أخرى. كان الطفل المرح وجهه البشوش كان يرسم البسمة على وجوهنا في المنزل”.
وأضافت أنه “عندما كنا نريد أن نضحك ونفرح كنا نستمع إلى فرسان، كان يضحكنا ويمتعنا، كان الأكثر بهجة في البيت. لا أصدق لغاية الآن، أن فرسان مات ولن يعود ويناديني يا أمي. لم أستوعب بعد هول الفاجعة. ابني فرسان وروحه معنا في البيت”.
وعن الطفل الضحية، روت والدته أن “فرسان كان يحب اللعب، أحب كرة القدم جدا، حلُم أن يصبح لاعب كرة قدم، قضى جل وقته في الملاعب وتابع الفرق الرياضية في أم الفحم وغيرها”.
وتساءلت الوالدة الثاكل: “لا أدري ما الذي أدى لوقوع هذه الجريمة البشعة؟ لكن مهما كان السبب، لا يوجد أي مبرر لأي شخص باقتحام حرمة بيت وقتل طفل وعمه وارتكاب مجزرة بحق عائلة كاملة. نحن عائلة أبو مقلد لا يوجد لنا أي عداء مع أحد، كنا طيلة حياتنا نترك بيوتنا مفتوحة للناس”.
وأكدت أنه “لا نقوى على العيش مع الجريمة، وجوه يعتريها الحزن، الخوف يملأ البيت وأهله. أصبحنا نخاف من كل شيء، من الخروج إلى الشارع وساحة البيت. لم يكن هذا الواقع المؤلم قبل وقوع الجريمة”.
وقالت والدة الطفل، ضحية الجريمة، إنها لم تدرك أسباب اقتراف الجريمة، “لماذا فعلوا هكذا؟ كنا نفرح ونرقص، وعلى أعتاب فرح، قتلوا ابني الصغير وعمه. كابوس يلازمني ولا يفارقني أبدا”.
وختمت عبلة أبو مقلد بالقول إنه “لن أنسى فرسان أبدا. أعتقد أن هذا الإجرام يبدأ من البيت غالبا، ومن ثم المدرسة وأيضا الشرطة والمؤسسة لا تفعل شيئا، فلو كان الضحية يهوديا لم كان التعامل معنا هكذا. تعامل الشرطة مع الجرائم يثير الكثير من الشكوك”.
وقال شقيق المرحوم إبراهيم أبو مقلد، لـ”عرب 48″، إنه “لم نعد لممارسة حياتنا الطبيعية منذ الجريمة. من الصعب علينا نسيان المشهد الذي وقع علينا. اقتحموا حرمة المنزل قتلوا شقيقي وابن شقيقي الآخر وسالت الدماء أمامنا. الجريمة هزت المجتمع العربي كله”.
وأضاف أن “العائلة تضم 12 شقيقا وشقيقة، 8 منهم ذكور. الجريمة وقعت على العائلة كالصاعقة، فاجعة كبيرة لا يمكن تحملها ولا تصورها، ولا شيء يمكن تخيله يبرر هذه الجريمة البشعة. أنا وجميع أشقائي لسنا مجرد أخوة، نحن أصدقاء أيضا، وكل من عرفنا يعرف مدى ترابطنا ببعضنا البعض”.
وعن آخر محادثة دارت بينه وبين شقيقه ضحية الجريمة، قال إن “آخر محادثة كانت بيننا حين نصبنا المعرش أمام البيت من أجل الفرح، وهذه عادة لدينا حيث أنها تجمع الحضور فيها. وفي كل يوم قبل الفرح كان البيت عامرا بالناس والأقارب. أقمنا المعرش وزيّنا البيت معا، وكان فرحا جدا، لكن هذا قدر الله. تحولت حياتنا إلى حزينة وسوداء”.
وعن تفشي العنف والجريمة، قال أبو مقلد إنه “على الأُسر أن تهتم بتربية أولادها كما يجب، أيضا على المدرسة أن تأخذ دورها. والشرطة تتحمل مسؤولية انتشار العنف وجرائم القتل لأنها مقصرة ولا تعمل شيئا، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية التي تؤدي اإى تفشي الجريمة والعنف”.
وقال عزيز أبو مقلد، لـ”عرب 48″ إن “للشرطة دور أساسي فيما يحصل في المجتمع العربي، وأنا أحمل الشرطة المسؤولية كاملة. هذه الجرائم حرب لا تريد الشرطة أن تنتهي لأنها المستفيدة الوحيدة منها”.
وختم شقيق الضحية بالقول إن “أيدي عائلتنا نظيفة، وستبقى نظيفة ولن تتلوث بدماء أحد. صحيح أن الفاجعة كبيرة، لكن الحياة سوف تستمر، وسنحافظ على القيم التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، وأهمها احترام الجميع”.

المصدر: عرب 48