فادي أبو شقارة: صوت المهمشين الأقوياء

     

رام الله مكس – وفا- كتب يامن نوباني

بجسدٍ نحيل لا يتجاوز 20 كيلو غراما، والحاجة إلى عناية مكثفة في جميع متطلبات الحياة اليومية، من جلوس وطعام ولباس وحمّام ونوم، حتى أصغر التفاصيل التي ينجزها المعافى دون أن يبذل أية طاقة، أصدر الفلسطيني فادي أبو شقارة كتابه الأول، رواية “رهين الجسد”.
أبو شقارة البالغ 35 عاما من العمر، من بلدة طُرعان داخل أراضي 1948، ولد مع مرض رخاوة العضلات، ومنذ اللحظات الأولى لحياته، عانى من تأثيرات المرض الجسدية والنفسية، إضافة لتأثيرات المجتمع.
متحديا كل شيء، أطلق أبو شقارة، بروايته وحضوره القوي في الأمسيات والنقاشات الأدبية في بلدته، شرارة أدب ذوي الاحتياجات الخاصة.

أبو شقارة قال لـ”وفا”: حالتي الصحية ورقة مكشوفة للجميع حيث لا يحتاج أي شخص يراني إلى مستندات وفحوصات طبية لتثبت له أني أعاني من إعاقة صعبة جدا. علامات الإعاقة واضحة وفاضحة، ذراعان وساقان غير مستقيمة، رأس كبير الحجم، اعوجاج في الظهر، ووضعية الجلوس غير عادية.

عاش فادي آلاماً وقهراً رهيبين، لدرجة صراخه في كل مرة. “الآلام الجسدية التي ترافق الإعاقة لا تطاق، الجلوس لفترة متواصلة يؤدي إلى آلام في الفخذين، ومن هناك يتصاعد الألم إلى الظهر حتى يحتل جسدي كلّيا. وكذلك الأمر خلال أوقات النوم، فأحتاج إلى تغيير في وضعية النوم والجلوس من وقت إلى آخر. ما عانيته في طفولتي كافٍ ليدمر حياة أي معاق.. تحديقات الناس وتعليقاتهم المشفقة تارة والساخرة تارة أخرى، التي لا أدري أيها مهينة أكثر، مع الآلام الجسدية والنفسية النابعة من العجز والنقص واليأس والاحساس بالدونية والظلم، والأسئلة المتكررة لماذا أنا؟ أي ذنب اقترفته؟ هل سأشفى لاحقًا؟ كيف سيعاملني المجتمع؟ كيف سأتحمل مصيري؟ هل أحاول أم أستسلم للواقع؟ عشت كابوسًا لا يقدر كل صاحب إعاقة تجاوزه”.

رغم كل ذلك، بدأ أبو شقارة مسيرته التعليمية في مدرسة خاصة لأصحاب الإعاقة الجسدية والذهنية، وبعد وقت قصير التحق بالمدرسة الابتدائية، فالإعدادية، ثم الثانوية، واجتاز الامتحانات الحكومية بامتياز.

بعدها تدهور وضع أبو شقارة الجسدي واضطر للبقاء في البيت لسنوات طويلة، إلى أن تلقى مكالمة هاتفية قبل أربع سنوات من مُرَكِّزة قسم ذوي الاحتياجات الخاصة في المركز الجماهيري – طرعان، دعته فيها لتقديم فقرة ضمن أمسية سنوية لتكريم أصحاب الإعاقة، فكانت تلك الأمسية نقطة التحول في حياته.

قال أبو شقارة: تبناني المركز الجماهيري ، وبدأت بتوجيه طاقتي إلى الإبداع، فقمت بتأليف أغنية بعنوان “يا عالم نحنا بشر”، وهي رسالة للمجتمع حول أصحاب الإعاقة. كما حصلت على شهادة محاضر في موضوع الإعاقة.

وأضاف: انضممت في الثامن من آذار 2016، يوم ميلادي، إلى نادي القرّاء في طرعان واكتشفت داخلي هواية القراءة، وحب القراءة ولّد الرغبة بالكتابة، فكلمة من مركّزة قسم ذوي الاحتياجات الخاصة كانت الطلقة لبداية مشروع حياتي، حيث طلبت مني أن أكتب كتابًا، وبعد سنتين من الكتابة والتنقيح والكتابة من جديد والتنقيح مرة أخرى، وعرض الرواية على بعض زملائي في نادي القراء، وتجهيزها للطباعة، أبصرت روايتي النور.

كيف يقرأ أبو شقارة، وكيف يكتب؟ يقول: في القراءة لا أحتاج إلا لشخص يتناول الكتاب الذي أنوي قراءته عن المكتبة ، ويضعه على الطاولة أمامي. في الكتابة كل ما أحتاجه تقريب الحاسوب تجاهي وأتدبر أمري بالكتابة عن طريق الفأرة. أنهيت كتابة الرواية بمجهودي الخاص، اخترت الموضوع الذي يعجز أي معافى عن الخوض فيه، نسجت الأحداث لوحدي، بنيت الشخصيات بنفسي، وأسلوبي الخاص الممزوج بين الألم والفكاهة. اخترت وتواصلت مع المنقحين والقارئين من زملائي في نادي القراء، واخترت مصممة غلاف الرواية بنفسي.

وحول روايته، قال: “رهين الجسد” تحكي حياة الشاب مراد شحادة، صاحب الإعاقة التي أعاني منها شخصيًا. اخترتُ موضوع الإعاقة لأنه الأقرب إلى قلبي، اضافة إلى إدراكي أن المجتمع لن يتعاطف ويفهم أصحاب الإعاقة إلا إذا انكشفت أمامه أعمق مشاعرهم وأكثرها وجعًا، فعندها قمت بفتح كل الجروح داخلي، والتي حاولت جاهدًا ردمها في قلبي حتى لا أقلق أحدًا حولي، أو ربما بستر العجز واليأس أقنعت نفسي أنني بهذه الحال لا أحس بها. عندها قرّرتُ أن التعرّي من كلّ خصوصياتي ووضعها تحت مجهر جميع القراء، مهما كانت خطوة مخيفة ولا رجوع منها، خطوة مهمة ومصيرية لجميع أصحاب الإعاقة.

وعن بداية طريقه في القراءة، أوضح أبو شقارة: “قرأت كل ما التقطته يداي، وكل ما نصحوني به من روايات اقتنيته ووضعته في مكتبتي الخاصة، التي تشمل أكثر من مئتي كتاب. في مكتبتي روايات وكتب متنوعة لأدباء محليين فلسطينيين وعرب وأجانب، لديّ جميع الروايات الفائزة بجائزة البوكر العربية، روايات إبراهيم نصر الله تزيّن مكتبتي، ومحمود درويش وسميح القاسم، أحمد شوقي ونزار قباني، أبو العلاء المعرّي وامرؤ القيس، نجيب محفوظ ومصطفى محمود وصنع الله ابراهيم. روايات بوليسية، دوستويفسكي وتولستوي، ودان براون، وباولو كويلو وغيرهم.

وأضاف: مع الوقت صرت أكوّن ذوقي الخاص، ابتعدت عن الرومانسيات والقصص الخيالية، ووجدت اللذة في الكتب التي فيها عمق نفسي مثل روايات دوستويفسكي، والعمق الفلسفي مثل كتب مصطفى محمود، والروايات المخلّدة لأبطال فلسطين والقضية الفلسطينية.

عمل أبو شقارة بمحبة الأهل، والتي كانت المحفز الأكبر على المثابرة والنجاح، وقال: هي السبب على تحمّل مصاعبي ومحاولة إسعادهم بتقديمي لهم إنجازًا يفخرون بي من خلاله. تواجد الأصدقاء حولي له دور كبير، والدعم المعنوي الذي قدمه لي المركز الجماهيري والمجلس المحلي عزز فيّ الثقة بالنفس.

يذهب أبو شقارة في زيارة شهرية للمكتبة العامة في طرعان، يصلها بمساعدة والده عن طريق سيارة لها مصعد خاص يرفع الكرسي المتنقل. يلتقي أعضاء نادي القراء، لمناقشة رواية واحدة متفق عليها مسبقًا، وفي بعض الأمسيات يستضيفون كاتب الرواية ويناقشونها معه.

وعن رسالته للعالم ومخططاته المستقبلية، قال أبو شقارة: رسالتي أن تصل معاناة أصحاب الإعاقة إلى كافة المجتمع. المجتمع يقدّر الأحاسيس الصادقة الصارخة، وإن خرجت من قلب متألم مكسور سيصل الإحساس إلى قلوبهم بلا أدنى شك، وقد لامستُ ذلك من تعليقات الناس ودعمهم ومحبتهم. صراحة توقعتُ أن تلقى الرواية ردودًا إيجابية، لأن فكرة صاحب إعاقة يصدر رواية ليكون الروائي الأول في قريته، هي بحد ذاتها قصة مثيرة للاهتمام وتجذب الناس لمتابعة الموضوع عن قرب، ومع ذلك، الصدى القويّ الذي خلّفته الرواية كان مفاجئًا ومؤثّرًا، حيث وصلتني تعليقات إيجابية متأثّرة من تفاصيلها والأوجاع الكامنة داخلها. من التعليقات “أشكر الله الذي بعثك إلى هذه الحياة”، “أنت ثورة في نظري”، “أنت جوهرة ثمينة”.

رسالتي أن يدرك المجتمع دوره الحاسم في بناء أو تدمير شخصية أصحاب الإعاقة، نحن قادرون على تحمل آلامنا الجسدية، والعقد النفسية جراء الإعاقة قد تزول بمساعدة العائلة والأحباء، أما نظرات وتعليقات الناس فلها تأثير عميق ومخيف.

رسالتي أن أبو العلاء المعرّي وطه حسين وستيفن هوكينغ هم قدوة، ولكن لنتذكر جميعنا، هؤلاء الشخصيات الناجحة هم أقلية، سمعت الكثيرين يرددون أمامي أمثلة عن أصحاب الإعاقة الذين تحدوا كل الصعوبات وسطع نجمهم في سماء الأدب والعلم والفن، ولكن لماذا لا ننظر إلى الجانب الآخر المظلم الموجوع؟ إلى أصحاب الإعاقة في الملاجئ، أو هؤلاء المسجونين في بيوتهم بسبب جهل عائلتهم والعار الذي يحسونه تجاه أولادهم. قبل أن نحتذي بتلك الشخصيات، علينا توفير البيئة الملائمة والحميمة الداعمة لأصحاب الإعاقة من قبل الأهل والمركز الجماهيري والجمعيات المتطوعة والمجالس المحلية، علينا استقطاب مواهبهم وتشجيعهم على تطويرها.

وقال: لست إلا نموذجًا واحدًا من عشرات ومئات أصحاب الإعاقة المبدعين الذين ينتظرون الفرصة لإظهار مواهبهم المدفونة داخلهم. لذلك أتوجه إلى الأهالي الكرام الداعمين لذويهم من أصحاب الإعاقة وأشد على أياديهم. وأتوجه إلى النوع الثاني من الأهالي وأدعوهم لقراءة الرواية، ربما من خلالها قد يجدون الحلقة الناقصة التي قد تخرجهم من قوقعة الجهل التي تحيطهم.

“رسالتي هي أن أخلّد اسمي”.