فياض والحمد الله – رام الله مكس

فياض والحمد الله

   

رام الله مكس – طرح نبيل عمرو وهو عضو المجلس المركزي والقيادي في فتح تساؤلات هامة، حول اعادة تكليف الدكتور سلام فياض بتشكيل حكومة، خلفا لحكومة رامي الحمد الله، ومدى امكانية تعاون وتعامل فتح مع الرجل الذي يشترط مساحة من الاستقلالية في عمله .
هذه التساؤلات وغيرها من تشخيص تجربة فياض والحمد الله جاءت في مقال خص به عمرو وكالة “معا”.
نص المقال

نقل ياسر عرفات رحمه الله نظامه السياسي الذي ورثه عن المرحوم أحمد الشقيري وأدخل عليه تغييرات جوهرية، جعلته يسمى بحق “نظام عرفات”. نقله من المنفى حيث دولة منظمة التحرير القوية وواسعة الانتشار، الى الوطن الضيق حيث تجربة السلطة الوطنية التي أقيمت على أقل من عشرة بالمائة من أراضي الضفة والقطاع، حيث برر عرفات قبوله بها ورئاسته لحكوماتها فيما بعد، لأنها ستفضي الى دولة مستقلة في نهاية المطاف.

تعثرت تجربة نظام عرفات بحكم عدم انسجامها مع البرنامج الدولي، الذي أقام السلطة الوطنية، وعجز عن ترويض عرفات ليكون جزءً من هذا البرنامج، وهنا ولدت الحاجة الدولية لتغيير النظام العرفاتي، بمعادلة متدرجة لا ينقصها الذكاء والدهاء، قوامها إبقاء عرفات على رأس النظام مع تقليص صلاحياته على معظم المؤسسات بما في ذلك نصف مؤسسة الامن .

حاول عرفات بما عرف عنه من سعة الحيلة واستشعار الخطر صد رياح التغيير العاتية ، التي هبّت عليه وعلى نظامه. نجح في المماطلة والتأجيل المؤقت إلا انه لم يستطع الوقوف في وجه رغبة العالم واشتراطاته، فقبل اخيرا تأسيس حكومة يكون لها رئيس مستقل وتتمتع بصلاحيات ترخي قبضته الفولاذية عن الحالة الفلسطينية.

لم يكن عرفات يخفي بل كان يجاهر بأن تأسيس حكومة فلسطينية مستقلة هي محاولة مباشرة لانهاء نظامه.

كان بديهيا ان يكون المرشح الوحيد لتشكيل اول حكومة فلسطينية هو محمود عباس رفيق عرفات في “فتح” والمسمى آنذاك على الأقل مهندس أوسلو، وعنوان الاعتدال في المسيرة الفلسطينية، التي كانت شعاراتها الملتهبة تصور الاعتدال كما لو انه انحراف وخيانة .

أخيراً ولدت حكومة عباس بمرسوم حمل توقيع عرفات، غير ان قبضة الرجل المستحوذ على جميع مكونات الساحة الفلسطينية جعلت من مواصلة الحكومة الوليدة عملها او حتى تثبيت نفسها ضربا من ضروب المستحيل ، ما أدّى الى استقالة عباس بعد أقل من أربعة أشهر.

غير ان نظام الحكومة ظل يعمل، فقد صار امرا واقعا يصعب التحلل منه والغاءه وذلك بحكم اشتراط السدنة الدوليين لتجربة السلطة وربط تقديم المساعدات المهمة ببقائها.

خلف احمد قريع عباس، وبدت الحكومة في عهده كما لو انها خلية فتحاوية، وجاء إسماعيل هنية كجملة معترضة لمسار مختلف، وحصل انقلاب آنذاك وأقدمت “فتح” على أخطر قرار أفقدها أهم نفوذ حين قامت بعمل استعراضي سطحي باظهار زهد بالسلطة، فكان الدكتور سلام فياض هو المرشح المحسوم في هذه الحالة.

عمّرت حكومة الدكتور سلام طويلا، إلا انها كانت تعيش محشورة داخل مثلث حاد الزوايا والاضلاع، ضلع شكله دعم امريكي للرجل بصورة تبنٍ مبالغ فيه، وهذا الضلع له ما له الا ان ما عليه أكثر ، وضلع ثانٍ شكله حذر فتح منه، فهو طارئ عليها وهي المتعودة على الحكم بصورة مطلقة في عهد السلطة وقبل ذلك في عهد المنظمة ، وضلع ثالث صنعه تحفظ الإسلام السياسي عليه لأن حكومته ولدت اثر الانقلاب الذي قامت به حماس واستأثرت من خلاله بالسلطة في غزة .

وغير المثلث القاتل ، فهنالك ما سرّع في امر اقالته هو حرصه على ان يخلق لنفسه هامش استقلال فُهم منه انه شكل من اشكال المنافسة مع الرئيس ، فكان هذا الهامش لمصلحته كرئيس وزراء مستقل ، الا انه في الوقت ذاته عجّل في اقصاءه كمنافس محتمل .
بدء اسم الدكتور رامي الحمدلله بالتداول كخلف لفياض، ضمن معادلة ان فتح ما زالت زاهدة في السلطة ، جمعتني الصدفة به في مؤتمر اعلامي نظمته جامعة النجاح وكانت لي كلمة في هذا المؤتمر ، أذكر انني آنذاك نصحته بأن يواصل النجاح في جامعة النجاح، حيث ينسجم الرجل مع اختصاصه وامكانياته ، وان يبتعد عن رئاسة حكومة ستكون حتما مركزا لتجاذب حاد بين الصراعات الداخلية في السلطة وفتح، والصراع الاوسع والأكثر تعقيدا على السلطة في الساحة الفلسطينية بأسرها .

تردد في القبول الا انه اختار أخيرا العمل بنصيحتي مع تعديل جوهري فيها، وهو انه قبل برئاسة الحكومة واحتفظ برئاسة الجامعة، فكان ان خسر كثيرا او قليلا في الاثنتين، لا اعرف بالضبط.

في الوقت الذي كانت فيه مساحة الاستقلالية التي سعى اليها الدكتور سلام الشعرة التي قصمت ظهر بعيره، فإن الدكتور رامي استفاد من درس سلام، فكان ان تخلى تماما عن هامش الاستقلالية ولو بسنتيمتر واحد، واندمج بولاء مطلق للرئيس ولهذا أيضا ما له وما عليه.

والان.. يجري حديث يصعب التأكد من صحته بأن الرئيس يفكر في إعادة التجربة مع الدكتور سلام فياض، وهذا اثار سؤالين الأول يتعلق بسلام والثاني بالحمدلله .

-هل سيمنح الرئيس الدكتور سلام حال تكليفه الهامش الاستقلالي الذي اعتبره فيما مضى شرطا ضروريا لعمله؟ وهل ستتعاون فتح معه اذا ما حصل على هذا الهامش ؟

-والسؤال المتعلق بالدكتور رامي هل يا ترى ملّ الرئيس عباس الولاء المطلق للحمدلله بحيث صار كل تقصير في حكومته ينسب للرئيس؟

أسئلة لا اعرف الإجابة عنها وهذا النوع من الأسئلة تجيب عنه الوقائع وليس التقديرات والاستنتاجات.