رحلة شاقة ومليئة بالمعاناة ولوعة الفراق..الحاجة صبحية القواسمي تلتحق بولديها الشهيدين دون رؤية أبنائها الأسرى – رام الله مكس

رحلة شاقة ومليئة بالمعاناة ولوعة الفراق..الحاجة صبحية القواسمي تلتحق بولديها الشهيدين دون رؤية أبنائها الأسرى

   

الخليل- رام الله مكس
رحلة شاقة ومليئة بالمعاناة ولوعة الفراق.. تلك التي انتهت أمس بوفاة خنساء فلسطين الحاجة صبحية القواسمي (أم حسن) في وادي البصاص بالخليل، تاركة وراءها سجلاًّ حافلا بالعطاء والتضحية والصمود والصبر؛ حيث قدمت من فلذات أكبادها الشهداء والأسرى والمبعدين، فداء لتراب فلسطين، حتى لا يهنأ فيها للمحتل مقام.
فعلى مشارف وادي البصاص في الخليل تستوقفك صور أبناء الحاجة أم حسن في ذكرياتهم المتكررة، وما تكاد تطأ قدمك مدخل الباب الرئيس لهذا المنزل حتى تستقبلك أم فلسطينية رسمت على ملامح وجهها خريطة التحولات والتضحيات التي قدمها شعبنا.

نشأة مقاومة
نشأت أم حسن البالغة من العمر (73 عامًا) وترعرعت في (حارة الشيخ) التي تعرف في أجندة المقاومة بحارة القيادة، وتنتمي إلى عائلة عرفت بتضحياتها ومقاومتها للمحتل، مسجلة منظومة صمودية قلّ نظيرها، سيّما وأن جميع أبناء الحاجة صبحية ما بين أسير ومبعد وشهيد.
“المركز الفلسطيني للإعلام” التقى أم حسن قبل وفاتها، محاولاً جمع فصول حكاية محنتها، والتي قالت عنها: “كانت البداية مع ولدي زياد حينما اعتقلته قوات الاحتلال عام 2000م، وخضع لتحقيق مشدد في الزنازين لستة أشهر، أرسل لي خلالها رسالة مع المحامي قال لي فيها (أنا يما في خلوة مع الله) وعلى إثر هذا الاعتقال حكم بعد ذلك عامان، ليعتقل مرة أخرى في العام 2002 ويحكم عليه بالسجن ثلاثة عشر عاما؛ حيث أفرج عنه قبل ثلاثة أشهر، ولكن الاحتلال أعاد اعتقاله قبل أسبوعين، وحوله للاعتقال الإداري”.
 
ابنها شهيدًا
ورغم احتباس الدمع في مقلتي أم حسن؛ إلا أنها ظلت محافظة على رباطة جأشها، فسكتت للحظات، ثم أكملت حديثها وقالت: “ابني أحمد استشهد وهو يبلغ من العمر “16 عاما” وذلك في15 رمضان عام 2000م خلال مواجهات اندلعت في حي باب الزاوية وسط مدينة الخليل”.
تابعت أم حسن حديثها قائلة: “في العام 2004 أصبح ابني مراد مطاردا من قوات الاحتلال، وفي اليوم الأربعين من رحلة المطاردة، حاصرت قوات الاحتلال أحد البيوت في منطقة الجلدة، فقاوم هو ورفيقاه إياد أبو اشخيدم وعمر الهيموني، وعندما جاءت جرافة الاحتلال لتهدم البيت أخذ مراد يبكي، فسأله إياد لماذا تبكي: فقال أنا أرى أخي الشهيد أحمد يرحب بي، وبعد دقيقة واحدة من هذه القصة، جاءته رصاصه على القلب مباشرة، فارتقى شهيدا هو وصديقه عمر، وأسر صديقه الآخر إياد، والحمد لله على كل حال”.
سلسلة معاناة أم حسن بفقد أبنائها تتابعت في حديثها بقولها: “ابني البكر حسن يعمل تاجراً، ويعتقل عادة عندما يكون هناك اعتقالات لإخوته، فيعتقلونه كوسيلة ضغط، حيث اعتقل مرات عديدة ومتفرقة  في سجون الاحتلال رهينة، وليت الأمر توقف عند حسن، فهذا نجلي حسام “43 عاما”، قد اعتقل سابقا “12عاما” قضى ثمان سنوات ونصفا، ثم أعادوا اعتقاله عدة مرات لعدد من الشهور، ولما استشهد شقيقه مراد، اعتقل مرة أخرى، وأخيرا اعتقل بعد اتهامه بعملية التخطيط لخطف وقتل الجنود المستوطنين الثلاثة، حيث حكم عليه بالسجن ثلاثة مؤبدات، وهدم منزله”.
  وتتنفس (أم حسن)  الصعداء، ومن خلال وهج أنفاسها تشعر أن الحكاية لم تنته بعد .. فهناك تضحيات أخرى في مسيرة فلذات أكبادها ، وحتى يكتمل المشهد تزأر أم حسن فتقول: ابني (حسين) “42 عاما”  قضى 12 عاما في السجون الإسرائيلية سابقا، وبعدما أفرج عنه، أعادوا اعتقاله عام 2011 بتهمة مشاركته في عملية فدائية في القدس حكم على إثرها مؤبدا وثلاثين عاماً، ولأنه رفض الامتثال لأمر قاضي محكمة الاحتلال بالوقوف أمامه، رفع حكمه ثلاثين عاما إضافية ليصبح مؤبدا وستين عاماً.
وليس محمد بأفضل من أشقائه، فلا بد أن يتجرع ألم الاعتقال أسوة بهم في ظل احتلال لا يرحم ..تقول أم حسن:
كان محمد يزور السجن ليس كأي زائر، حيث اعتقل مرات عدة  دون وجه حق،  فكلما تقع اعتقالات لإخوته يعتقلونه، ويحكم بالحكم الإداري، أي دون تهمة تذكر، ومجموع اعتقالاته المتفرقة وصل قرابة العامين، وما دام أنه من عائلة أبو حسن القواسمي فلا بد أن يعتقل .. هكذا هي معادلة الظلم في دولة الاحتلال. 

إبعاد محمود
استمرت المعاناة فداء لفلسطين، فتضيف أم حسن وتقول: “ابني محمود المبعد كان له علاقة بعملية بئر السبع، فحكم على ذلك 22 عاما، قضى منها ثمان سنوات، ثم أفرج عنه في صفقة وفاء الأحرار، ونفي إلى قطاع غزة، ولا زال مرابطا على أرض غزة”.

حجازي أسيرًا
ولنجلها حجازي قصة وحكاية، فقد سار على نفس الدرب، وانخرط في بداياته في صفوف الانتفاضة والمقاومة، وحكم ثلاث سنوات، وبعد الإفراج عنه أعيد اعتقاله مرة أخرى لعامين، بعدها تجددت رحلة اعتقالاته إداريا ليمضي في سجون الاحتلال نحو ست سنوات، ولا زال قيد الاعتقال الإداري حتى الآن.  
أصغر أبناء الحاجة أم حسن، ولدها فراس” 24 عاما”، حيث أنهى التوجيهي، ومن ثم التحق بجامعة الخليل في بداية مشواره الجامعي، إلا أن طموحه وحبه لاستكمال مشواره التعليمي دفعه للسفر إلى الخارج ليلتحق بإحدى الجامعات الماليزية، ليحصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير بتفوق، وليكمل مشواره نحو تحقيق حلمه في الحصول على شهادة الدكتوراه.  

هدم البيت وبيوت أبنائها
لم تنحسر مأساة المجاهدة والصابرة أم حسن في اعتقال أبنائها؛ بل هدم الاحتلال بيتها وبيوت أبنائها المكونة من سبعة طوابق عام 2004، ثم هدموا أجزاء من بيت حسين، وأخيرا هدموا بيت ولدها الأسير حسام بحجة ضلوعه بخطف وقتل ثلاثة جنود، وأمام هدم منزلها ومنازل أبنائها تقول: والله ما حرك ذلك في جسدي شيئا، ولو سحبت من رأسي شعرة لتوجعت أكثر، فهناك بيت في الجنة أجمل أوسع.
 
اعتقال الحاجة صبحية
اعتقل الاحتلال أم حسن واقتادها مقيدة لمستوطنة كريات أربع، ومن ثم إلى مركز التحقيق في عسقلان؛ حيث أجري التحقيق معها، وهي غير مبالية، ضاربة بسياسات الاحتلال عرض الحائط، وتروي الحاجة أم حسن ما جرى معها في التحقيق فتقول: “جردوني من ملابسي وجعلوني عارية بشكل كامل، بحجة التفتيش، ثم نقلوني لغرفة التحقيق، شتموني، وأهانوني، اقتادوني مجددا للزنزانة، فقد كان يحقق معي أربعة محققين بلا رحمة”.
وبينما كنت في الزنزانة رأيت الفئران في غرفتي، شعرت بالريبة وقلت يا رب، وتذكرت كلمات ولدي زياد عن الزنزانة “أنا يما في خلوة مع الله”، فقلت فعلا لتكن خلوة مع الله، وبدأت بالاستغفار والتواصل مع ربي بالدعاء وقراءة القرآن”.
ستار القصة قد أُسدل أمس على حكاية أم حسن مع أبنائها الأبطال؛ فقد وارى التراب جسدها الذي أنهكته المحن، لكنه لم يوارِ براعة نموذجها الفريد، وبأسها الشديد، وصبرها الجميل؛ لتظل شاهدة على نفاسة المعدن الفلسطيني في تنشئة الأجيال، والثبات على المبدأ، رغم تعاقب المحن حتى الممات.

المصدر المركز الفلسطيني للإعلام