المحررة رغد نصر الله.. ذهبت إلى القدس فوجدت نفسها مقيدة بسرير المشفى والمحقق فوق رأسها

         

رام الله مكس: “يالله، يا أمي” صرخت بأعلى صوتها، عندما اخترقت الرصاصة جسدها فنظرت للسماء، لتجد فوهات بنادق جنود الاحتلال موجهة نحوها، رغد نصرالله ابنة العشرين ربيعاً، أسيرةٌ محررة من رام الله، خرجت من الأسر وكأنها أكبر من عمرها بعشرين عاماً، نتيجة ظروف الأسر والمعاناة داخل السجون، خرجت وهي محملةً برسائل شفوية، وقصاصات ورق من الأسيرات لأهاليهن خارج جدران السجن، لأن الوسيلة الوحيدة لذلك، كانت المُحررة رغد نصرالله.
من حاجز قلنديا إلى الزنازين
تروي رغد لـ وطن “وجهتي كانت القدس” لكنّ جنود الاحتلال غيروا وجهة رغد إلى زنازينهم، تقول رغد “لقد سلكت دون أن أعي مسلكاً غير الذي من المفترض أن أسلكه” ولم تسمع رغد سوى صراخ، كلمات عربية تشوبها بعض العبرية قليلاً، بشر يصرخون، حتى السيارات صرخت، لكنّ الصوت فجأة أُعدم، شفاهٌ تتكلم، تراها تتكلم دون صوت، كأنّ الصوت كُتم، لقد انهارت أرضاً، تنزفُ، بعدما اخترقت رصاصة الجندي الحاقد قدمها، لقد “تُرِكتُ أنزف لمدة ساعة” تقول رغد.
فقدت صوابي في التحقيق
أسبوعٌ من التحقيق في المشفى، وعلاج بعذاب، تقول رغد لـوطن، ” لفولي الجرح دون أي علاج أو مسكنات”، كان أشبه بالجحيم، وغياب للإدراك بما هي فيه، وجسد منهك، مقيدة بالسرير بـ”كلبشاتٍ” أشبه بالسكاكين على اليد، فلم تتخلص نصرالله من  وجع قدمها، لتلقى الضغط النفسي ينتظرها من المحققين، تروي رغد لوطن “كان تحقيقاً أفقدني صوابي”.
في التحقيق الأول واجهني الضابط فقط بالصراخ وإلقاء التهم، لينتهي التحقيق بعد سلسلةٍ من التهديدات لرغد،” حتى المجندة لم تتركني، الحمام كانت تدخله معي” تقول رغد .خصوصيةٌ معدومة، حراسٌ على الأبواب، وخوفٌ يُخيّم.
نصف ساعة في “المسكوبية”
اقتاد جنود الاحتلال نصرالله إلى سجن “المسكوبية”، الذي يعتبر كابوس الأسرى، لكن رغد كابوسها كان في المستشفى حيث خضعت للاتحقيق القاسي أثناء الإصابة، قبل أن يتم اقتيادها إلى سجن هشارون الذي تقبع فيه الأسيرات.
كمٌ من العبثِ شعرت به رغد، تقول “رغم ثقافتي الأمنية، ومعرفتي بالسجن فوالدي كان أسيرا، إلا أن الواقع شيءٌ آخر”. إنّ السجن بمعداته البسيطة للمعيشة، ومتطلباته الضئيلة هي الصدمة، ليس الخيال كالواقع.
جحيم البوسطة
تفتيشٍ عارٍ تماماَ، عند التجهيز للبوسطة، للذهاب إلى المحكمة، إنه كابوس الأخر، فالكلبشات التي تصكُ أسنانها على الأيدي والأقدام ما زالت تشتد، ليتم اقتياد الأسرى إلى داخل البوسطة، جحيم أخر من معاناة الأسرى.
توضح رغد “في البوسطة زنازين لا تتسع سوى لحجم الجسد فقط” فلم تستطع رغد الوقوف ولا حتى التحرّك، فقط جالسة على قدمها المصابة، بقدمٍ نازفة، وذاكرة تحترق، وجسدٍ يقتله الألم، فلم تكتفِ رغد بآلام الكلبشات والأصفاد، لتزيد آلام الدورة الشهرية وضعها سوءً، فتجلسُ على الجرح تارة، وعلى طعنات ظهرها وبطنها تارة أخرى.
تقول “لم يعطوني سوى قطعة محارم صغيرة، لا تفيد سوى للنظر إليها فقط” وأكملت رغد نصرالله آلامها دون أيةِ أدوية، لتكون هذه المرحلة لعنة الأسرِ للأسيرات.
بعد هذه المعاناة تتفاجأ نصرالله أنها خرجت للمحكمة بالخطاً، بعد قول الضابط لها، “ما في محكمة اليوم”.
وداع البكاء
أربعةٌ شهور، مع عائلة جديدة تحاول فيها الأسيرات صنعَ أسلوب حياةٍ جديد، وتقبّل الأمر الواقع، في الأسر تجتمع الأسيرات للدراسة، والنقاش، في المناسبات، تُكابر الواحدة تلو الأخرى على دمعتها، فتداريها. تقول رغد “نفقدُ في السجن روتيننا الاعتيادي مع الأهل في العيد” وتسرق الأسيرات الفرح من الدموع، ذاته الذي ودعت به الأسيرات رغد، لتلتقي بوالدتها بالدموع أيضاً على حاجز جبارة في طولكرم.
من قسم التمريض، إلى قسم اللغة العربية
“كنتُ قد انقطعتُ عن الدراسة بسبب الأسر فصليين دراسيين” تقول رغد، فعادت نصرالله للجامعة، لكنّها قد حسمت أمرها بتحويل التخصص، الذي كان الأسر عائقاً بينها وبينه، فالاعتقال كان سبباً في تأخيرها عن التخرج، لذلك اختارت الانتقال إلى قسم اللغة العربية، تضيف رغد “في السجن جلستُ مع نفسي كثيراً، لأخرج بقرار التحويل”، فصفاء الذهن يجعلُ الأسير يُحرّكُ تفاصيل حياته كالشطرنج، يُشكِلها، ويظل يتحرك بها يميناً ثم يساراً إلى أن يفوز.