في أقل من 6 شهور…فلسطينية تنسخ القرآن مرتين

         

رام الله مكس-وكالات: في تجاعيد وجهها سر يأسر اهتمام الناظرين، ربما هو الودّ الذي جعله الله لعباده المتقين.
كانت وحدتها هي الدافع وراء بدايتها لطريق قلّ سالكوه، إذ استطاعت ميمي فرج الله (56 عام) التي تعيش في الطابق الأرضي بمنزلها المكون من 3 طبقات بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وأبناؤها في الطوابق العلوية، أن تنسخ القرآن مرتين في أقل من 6 أشهر.

تقول لـ قدس الإخبارية “من 19 سنة وأنا بختم القرآن كل أسبوع مرة. في رمضان بختمه 15 مرة، مرة عن روح الرسول-عليه الصلاة والسلام، ومرة عن روح أمي، ومرة عن روح زوجي، وعن أروح المسلمين”.
وتضيف بلهجة بدوية تسرّ السامعين “حسيت حالي فاضية ووحيدة، وولادي ملتهيين بولادهم، فبديت أكتب فيه. الله استجاب دعوتي، دايما في قيام الليل بدعي: يا رب تلهيني بذكرك عن ذكر الناس. أنا كنت بدي ألاقي ربنا وأنا مخلصة القرآن. والحمد لله بعد ما خلص رمضان (الماضي) بديت أنسخ فيه”.
قاطعنا ابنها عبد الله (37عام) عندما دخل للغرفة وجلس بجانب أمه على أريكة حمراء اللون، وتكمل ميمي وهي تضحك “كنت بتسابق في ختم القرآن أنا وعبد الله مين يختم القرآن قبل، مرات أنا بسبقو ومرات هو بسبقني”.
أرادت أن تحفظ كتاب الله كما أبناؤها، فهي أم لتسعة جميعهم متزوجون عدا واحد، سبعة ذكور؛ ثلاثة منهم يحفظون القرآن كاملا، ورابع يحفظ نصفه وقد وعد أمه أن يكمله، والباقون يحفظون أجزاء منه. أما الأخريات، فإحداهن تعمل معلمة للتربية الإسلامية، والثانية درست اللغة العربية.
ونظرا لعمرها، فقد حاول أبناؤها بالعدول عن الفكرة، كونها تعاني من ضعف البصر، وألم في أصابعها لكنها كانت مصرة، وتتابع ميمي “قلي ابني عبد الله، لما بدك تكتبي القرآن لازم الصفحة إلي بدك تكتبيها يكون فيها نفس عدد الآيات إلي في صفحة القرآن، قلتلو وأنا قدها إن شاء الله”.
بدأ أبناؤها يشجعونها كونها مصرة، فبدأت في نسخه للمرة الأولى في مايو الماضي، إذ كانت تقضي نحو 10 ساعات يوميا في الكتابة، وتقول وهي تجلس تحت خارطة فلسطين طرّزتها “كنت أصلي الضحى وأقعد أكتب القرآن، أحيانا كنت أكتب القرآن وأتأخر عن الصلاة فيجي ابني عبد الله يقلي لا يما قومي صلي بعدين بترجعي تكتبي… ولادي كانوا يحكولي يما بكفي اليوم تعالي اقعدي معانا، أقلهم لأ، بدي أخلص إلي علي”.
وتضيف: “أول ما بديت أكتب كنت أقول يا الله لو أخلص بس أول تلت (ثلاثة) أجزاء، ولما أكتبهم، أقول يا الله لو أخلص خمس أجزاء، وبعدين أقول لو أخلص الـ15 جزء، لعند ما خلصتو كله”.
 
كتبت ميمي نسختها الأولى بقلم الرصاص حتى تصحح ما كتبت إن أخطأت. وكان ابنها إبراهيم (40 عام)، الحافظ لكتاب الله بعدة قراءات، يقرأ ورده اليومي مما تكتب أمه، ويصحح لها أخطاءها.
وتردف ضاحكة: “ولادي غاروا، ليش إبراهيم واحنا لأ، قلتلهم خلص يما والله طول منا عايشة لضل أكتب وأعطيكوا كل واحد نسخة”.
وبعد شهرين ونصف، أنهت نسختها الأولى كاملة، ولاقت اهتماما ومباركة، من أبنائها وأصدقائهم، وعائلتها، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي “انبسطت والكل باركلي على النت وعلى الجوال”.
 
سألنا ميمي، ما الذي اختلف في حياتك بعد الكتابة؟ أجابتنا “كنت عصبية جدا لأني تعرضت لحادث سير في شبابي، كُسر حينها حوضي وعمودي الفقري، وللآن أعاني من مشاكل صحية، أما هلحين فبطلت عصبية، وكل ما أعصب باجي أقرأ قرآن فبهدأ/ وكمان شفت في القرآن حجات كنت أقرأها وما أنتبه إلها؛ صرت أدقق في معنى القرآن، وعلمني الصبر، وتحسن خطي، وحسيت براحة نفسية كبيرة”.
وأرادت أن تنسخ القرآن مجددا، لأنه في المرة الأولى “كنت مستعجلة وبدي أخلص”، فبدأت في أغسطس الماضي كتابتها للمرة الثانية.
وهنا تقول: “في النسخة الثانية صرت بدي أكتب عشان أتمعن… أنا يا خالتي ما بحب أطلع برا الدار، وطول منا عايشة راح أضل أكتب”.
أنهت نسختها الثانية في نهاية أكتوبر الماضي، وسط فرح المحيطين بها، لكنها تقول إن فرحتها في المرة الأولى كانت أكثر.

وتوضح لنا ميمي الصعوبات التي واجهتها في البداية “أولها استصعبت طريقة كتابة الحروف (الرسم العثماني)، عشان هيك كتبته بقلم رصاص عشان لو غلطت أمحي، وكان ياخد وقت وجهد، القرآن أصعب حاجة في الكتابة، لكنه هو ذخرنا؛ الدنيا هاد فانية”.

وأشارت إلينا أن أمنيتها الوحيدة هي أن تحج بيت الله، لكن أوضاعها المادية تحول دون ذلك، كون ابنها عبد الله هو الموظف الوحيد بين أبنائها، واختتمت بالقول: “حلمي الله يرضى عني”.
انتقلنا للحديث مع عبد الله الذي كان ينظر بفخر، تارة لأمه وأخرى للنسخ في يدها، يقول “أمي كانت دائما تطرز، فكانت دائما تشكي من نظرها، ولبست النظارة الطبية مؤخرا، في البداية كنت معارض أن تكتب، لكن لما شفتها مصممة قلتلها توكلي على الله… كنت أجيبلها أقلام من نوع خاص لأن الكتابة المستمرة تؤلم الأصابع، فكنت أجيب أقلام بها إسفنجة في بدايتها لئلا تؤلم أصابعها”.
وعن شعور ابنها الذي يعمل رئيس قسم الخزينة في وزارة الأوقاف بغزة، بإنجاز أمه “والله كان شعور حلو جدا، لأن القرآن وعلم القرآن مهم جدا، وكتابة القرآن من أفضل الأشياء، أنا يراودني حلم أن أجمع تفسير القرآن في كتاب واحد”.