“بتضل بنت مخيم إيش بدك يطلع منها!”

     

رام الله مكس – كتبت: نهيل أبو غيث

كان يوم خميس، عندما غادرت التلفزيون على عجلة من أمري كي أصل المجمع قبل نفاذ السيارات على خط بلدتي، حين مرت بالاتجاه المعاكس بالقرب من دوار الساعة طالبتا مدرسة، وسمعت إحداهن تقول باستهزاء للأخرى: “بتضل بنت مخيم، إيش بدك يطلع منها”.

استفزني قولها بالرغم من أنه ليس المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الانطباع المقيت، لكن أن تردد على لسان فتاة صغيرة، جعلني أرغب في البكاء حينًا وفي الصراخ حينًا، للمستوى الدوني في تفكير بعضنا ولما نقلناه لأجيالنا، فتجربة اللجوء أعمق وأقسى وأكثر إيلامًا من أن يجعلها البعض وصمة تقليل للشأن.

أنا لست ابنة مخيم، ولم أغادر القدس قبل أو بعد ميلادي لا في نكبة ولا في نكسة، لكنني اللاجئة من أفكار ونمطية الآخرين، الهاربة عنهم، برهبة العدوى على حين غَرة.

أما هي فـ نعم “ابنة مخيم إيش بدك يطلع منها”؟

ابنة المخيم يا عزيزتي تعاني منذ نحو سبعة عقود مضت، حين تركت منزلها كُرهًا وحملت أطفالها على كتفها، وتجر آخر متشبثًا بملابسها خطفته طرق المُهجرين، لتعيش حتى الممات قسوة الفقدان لوطن ولابن لم تعلم أهو حي أو بين الأموات.

هي ابنة مخيم يا عزيزتي، خدشت أنوثتها الطرق الوعرة، وسال دمها ليترك علامة الرجوع إلى بلدها، واشمة على جسدها خارطة أرضها.. أتعلمين معنى أن تكوني مشردة بلا مأوى دون رشفة ماء تسد رمق العطشى للحرية.

هي ابنة مخيم يا عزيزتي، أرضعت طفلها أمام أفواج من المهجرين، محاولة تدثير نفسها ببقايا ردائها الممزق من أشواك المسير.. وفقدت كينونة المرأة لتدافع عن أبنائها من رصاص المغتصبين، عندما سُلبت منها عذرية الأمان والسلام.

هي ابنة مخيم يا عزيزتي، عندما أنجبتها أمها سمع كل من في المخيم آلام مخاضها، في مكان لا للخصوصية فيه موقع، ولا للانعزال مجال.

هي ابنة مخيم يا عزيزتي، لو تدرين كم فاقت معاناتها صرخات اغتصاب شيء ما، وكم بقي الألم ندوبًا تدافع عن كرامة عودة.. وكم أرهقها رعاية أطفالها بكسرة خبز يابسة دون حياة.

هي ابنة مخيم يا عزيزتي، لم تستطع اللهو كغيرها من الأطفال، وكانت الأزقة حِكرًا على طريق لم تكن، فتشاركت وإياها طفولتها بلعبة من قماش، وكرة من طين الوطن.

هي ابنة مخيم يا عزيزتي، “إيش رح يطلع منها” غير صوت قوي ودفاع شرس عن الذات، أمام أمثالك ممن أنكرن حقها في أن تكون.. وتصد بجسدها لاقتحام الاحتلال للمخيم واعتقال أبنائها.. فهي القابضة على جمر البقاء والصمود.

أتعلمين يا عزيزتي ما حال قضيتنا سيكون اليوم دون أبناء المخيم وحق العودة؟ .. هي ابنة مخيم فعيشي يومًا واحدًا مكانها، وأخبريني “إيش رح يطلع منك”؟

 

نقلا عن وطن للانباء

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.