مسافة طولها 15 عاما بين زينة وحضن والدها الأسير

     

رام الله- رام الله  مكس

لحظة التقاط تلك الصورة كانت زينة في عمر يوم واحد فقط، وهو يوم ولادتها الموافق 15/3/2001، وكان عمر شقيقها الوحيد منتصر 19 شهرا.

بعد ولادة زينة بـ15 يوما، اختطف الاحتلال مجد بربر من مكان عمله، في يوم الأرض (30 آذار 2001) ومنذ ذلك الوقت لم يلتقيا.

في فيلم وثائقي أعده تلفزيون فلسطين قبل ثلاثة أعوام، تفتح زينة مجد بربر (15 عاما) من سكان راس العامود في القدس، ألبوم صورها وتشهق بفرح لحظة سقوط عينها على الصورة اليتيمة التي تجمعها بوالدها مجد بربر، المحكوم بالسجن 20 عاما.

بعد 15 عاما على تلك الصورة التي كان الاحتلال الإسرائيلي وسجونه مسؤولا عن يتمها، سمحت إدارة السجون لزينة بالدخول للقاء والدها والتقاط صورة جديدة معه.

تقول زينة التي تعيش مع والدتها فاطمة (34 عاما)، وشقيقها منتصر (17 عاما): حين كانت أمي تخبرني قبل موعد الزيارة بيوم، أعيش لحظات فرح وشغف اللقاء بوالدي، وأبدأ البحث عن أجمل فستان لديّ كي أرتديه في الزيارة.

كانت أمي تعرف ولعي بالفساتين، وتشتريها لي بكثرة، وأطيل في ترتيب شعري لأزور والدي في أبهى طلة.

بتاريخ 17 نيسان/ إبريل 2016 ولدت زينة ثانية، بعد أن مكّنها القدر من ملامسة والدها، الذي أخذ يتحسس وجه وشعر وتفاصيل ابنته التي كبرت 15 عاما دفعة واحدة، بعد أن كانت رضيعة بعمر 15 يوما قبل أن يفرقهما الاحتلال.

حمل مجد زينة بين يديه، وابتسما ابتسامة أمل وحياة، لا تخلو منها تعابير الحرمان الطويل والقاسي، عناق لمّ شمل لخمس دقائق، لا تكفي لسرد أبسط حادثة في حياة أي منهما، خمس دقائق لا تكفي للحديث عن المدرسة والصداقات والعائلة، ولا تكفي حتى للاطمئنان.

فكيف لها أن تداوي روح الطفولة واللعب التي سلبت من زينة، وروح الأبوة والرعاية ورؤية الأولاد يكبرون، التي حرم منها مجد.

تقول زينة: في ذلك اللقاء أصبت بالارتباك والصدمة، لأن من سأحتضنه هو والدي، الذي بقيت طيلة سنوات عمري محرومة من مصافحته وملامسته، فرغم كل القرب بيننا والمحبة الهائلة، إلا أن شيئا ما يظل ناقصا في العلاقة بيننا، بعد جسدي سببه الاحتلال، الذي لم يبق لنا وسيلة اتصال سوى زيارة كل أسبوعين، لمدة 45 دقيقة، يتم التواصل فيها عبر سماعة الهاتف.

في آخر زيارة سبقت الدخول إليه، طلب مني ألا أضع أيا من مستحضرات التجميل على وجهي، رغم أنني لا أضع إلا القليل في المناسبات، وقال: أنتِ يا زينة دون مكياج أحلى، وشدد على ذلك.

عندما فتح الباب لم أستوعب أنني مع أبي، وبقيت مصدومة لأنها المرة الأولى التي لا يوجد فيها بيننا حاجز، لا سماعة هاتف ولا لوح زجاج يردنا عن بعضنا ويمنعنا من العناق.

يعجبني في والدي ثقافته وقراءاته الكثيفة، وعشقه للمسلسلات التاريخية، علمني أن اقرأ وأيضا أن أكتب، وبدأت فعليا بمحاولات مبتدئة في الكتابة.

يحب الصدق والالتزام بالمبدأ والإرادة القوية، بدايات الرسائل كانت عبارة عن رسومات لمناسبات تخصني كعيد ميلادي، ويكتب عبارات فيها اسمي.

لاحقا تطورت الرسائل بيننا وأصبحت لغتها أقوى ونتناقش فيها بأمور شخصية، فأكتب له أسراري والأماكن التي أذهب إليها، وصديقاتي وأوقات الفرح والمشاكل التي أمر بها، فكان شعوري دائما أنه في صورة كل ما يحدث معي، وموجود في كل ما يخصني.

وصلني من والدي ما يقارب الأربعين رسالة، كانت الأولى وأنا في سن الخامسة مكتوب عليها اسمي.

كان يطلب مني في كل زيارة أن أكتب أغاني على ورق لأغنيها له في الزيارة التالية، وكان يحب أن يسمع مني أغاني الأطفال، وأغاني فيروز، وكان يحب أن يسمع مني أغنية زينة الحلوة.

حين كبرت أكثر بدأ يكتب لي قصصا وحكايات أستفيد منها، ويطلب مني أن أكتب له قصصا، ونناقشها في رسائلنا المتبادلة، والتي صارت أيضا تحمل لي النصح والإرشاد وتعلم الحياة، لكنني أظل احتاجه ولا أجده، أجد صعوبة في الوصول سريعا إليه فالرسالة تحتاج إلى أكثر من أسبوعين حتى تصل، وكثيرا ما افتقدته في أمور معينة تحتاج إجابة آنية، فكنت ألجأ لوالدتي، وشقيقي ونفسي.

حصل الأسير مجد قبل عدة سنوات على درجة الماجستير من خلف القضبان، وهو الآن يقبع في سجن “جلبوع”.

يذكر أنه من النادر أن تسمح إدارة السجون، بدخول الأقارب من الدرجة الأولى عند الأسرى والتقاط صور معهم، حيث تحدّد سنا معينا للدخول، وبالعادة يسمح للأب والأم بعد سن الـ60، والأمر لا ينطبق على كل السجون ولا كافة الأسرى، فقط من يسمح لهم الاحتلال.

تكون الزيارات للأسرى مرة كل شهر، وفي بعض السجون مرة كل أسبوعين، وتتم عبر جلوس الزائر مقابل الأسير يفصل بينهما زجاج، ويتواصلون عبر سماعة هاتف رديئة الصوت، تقضم نصف الكلام، ولا تعطي مساحة للخصوصية، لأن لا فواصل ومساحات بين مقاعد جلوس الأسرى وأهليهم.

لا يجد الإنسان طيلة حياته أجمل من ذكريات الطفولة، خاصة تلك الصور التي التقطت فردية أو في مناسبات اجتماعية، وأن يجد من يروي له قصة الصورة، تعلق زينة في الفيلم الوثائقي الذي بث عنها رسائل وصورة والدها مقابل سرير نومها، تنام وتصحو عليه.

لن تكبر زينة، وستظل أمنيتها أن يمسك والدها مجد يديها ويلاعبها كالأطفال، ويمشي معها في حديقة البيت، وتعزف له على العود، وتخبره حكاياتها وأسرارها الصغيرة.

على مقربة من قصة زينة، ولدت قصة حب وفرح وزواج، بين مقدسيين، فأمل وأسامة من الشبان الناشطين مجتمعيا في القدس، كانت تجمعهما علاقة سطحية، وفي أحد الأنشطة التي كانت تنظمها مؤسسة تامر تحت عنوان “بابا يقرأ لي”، في مدرسة زينة، قالت زينة: ليس لي أب يقرأ لي، فهو داخل السجن، أبي فقط يكتب لي.

قرر أسامة وأمل الذهاب لزيارة منزل زينة، وهناك توطدت العلاقة بينهما وأصبحت الزيارة طريقهما نحو علاقة جدية توجت بزواج وبيت وطفل كان لا بد أن يصير اسمه “مجد”، وهو الآن بعمر شهرين.

13419238_10153751975652984_8948946545399810128_n 13432213_10153751975662984_6880828138279958015_n 13450940_10153751975722984_7873396545210862239_n

 

تقرير يامن النوباني / وفا

   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.