والدة الشهيد عمر لم تعد تطهو طعامه المفضل

     

رام الله مكس

“رمضان يمر صامتاً على اهله”

بعيدًا عن أعين ومسامع الجميع دخل إلى عالمه الخاص حيث غرفته وسريره، وأقفل الباب على نفسه ليجلس وحيدًا وعيناه على سقف غرفته ليحظى بسويعات يستطيع خلالها أن يجلس صافي الذهن مع نفسه، ليفكر قليلًا في خطوته القادمة، ويبحث عن إجابات عن تلك الأسئلة الكثيرة التي تدور في رأسه: كيف؟، ومتى؟، وأين؟، وغيرها، فقد كان الشهيد عمر الزعاقيق (18 عامًا) في هذه الساعات يرسم السيناريو الخاص به لتنفيذ عمليته البطولية ضد الاحتلال الغاشم.

ونفذ الشاب عمر الزعاقيق عملية دهس بطولية في 27 نوفمبر 2015م، عند مفرق بلدة بيت أمر بمحافظة الخليل في الضفة الغربية، ما أدى إلى إصابة 6 جنود إسرائيليين، اثنان منهم وصفت حالتهما الطبية بالخطرة.

عرفات الزعاقيق (51 عامًا) هو والد الشهيد عمر، وهو أب لأربعة أبناء غير عمر الذي هو أوسطهم سنًّا، وتقيم العائلة في قرية بيت أمر شمال مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، يتحدث والد الشهيد عن حياة نجله ويقول: “كان عمر يحمل في قلبه هم وطنه، فهو غيور على أرضه وعرضه، كان الدفاع عن وطنه أكثر ما يشغل باله وتفكيره”.

ويضيف: “في طفولته لم تظهر عليه أي علامات تبين وطنيته وحبه لبلده، بل كان يعيش أحسن حياة، ويتطلع إلى مستقبل أفضل، ولكن عندما بدأ يكبر شيئًا فشيئًا غرس في قلبه بذرة حب الوطن، لتنمو وتكبر مع مرور الأيام، فيصبح ويمسي وهو يشاهد بأم عينيه ممارسات الاحتلال الإسرائيلي على أبناء شعبه في الضفة الغربية، والتضييقات، والحواجز، والإغلاقات، والمنع، كلها شكلت في ذهنه حب المقاومة والدفاع عن أرضه”.

ترك الشهيد الزعاقيق مدرسته وهو طالب في الصف العاشر، فلم يكن يهوى القراءة والكتابة والدراسة، فتفكيره كان يتخذ منحى آخر، ومهمة البحث عن عمل لم تكن بالشيء السهل له، خاصة أنه مرفوض أمنيًّا للعمل في الأراضي المحتلة عام 1948م، فكان يعمل داخل أسوار مدينة الخليل، لكن ليس بصورة منتظمة ورسمية، فهناك شيء أكبر بكثير يشغل تفكيره.

يتابع والد الزعاقيق: “فهو يختلف عن إخوته بنشاطه في المواجهات مع الاحتلال، خاصة في انتفاضة القدس”، مشيرًا إلى أنه قبل عام ونصف تقريبًا أصيب خلال مواجهات مع الاحتلال رصاصة في صدره، ومع ذلك لم يحد عن طريقه الذي رسمه لنفسه.

قبل عشرة أيام من استشهاد عمر اشترى سيارة بمبلغ 2800 شيكل، لم يعرف والده ولا والدته المغزى من وراء اشترائها، ولكن الذي أسكتهما اعتقادهما أنه ينوي فتح مشروع عمل، وفي صبيحة 27/11/2015م نهض من فراشه نشيطًا، وقَبل رأس والدته المريضة وخرج على صوت دعائها له بالتوفيق، وبعد ساعات نزل على مسامعهم خبر استشهاده كالصاعقة في أثناء انشغالهم مع أخته في المستشفى لتضع مولودها الأول.

كتوم وشجاع

يصمت والد الشهيد دقائق قليلة ويكمل حديثه: “عمر بطبعه كتوم، ولا يصارح أحدًا بما يدور بين ضلوع صدره وعقله، ويعمل بصمت بعيدًا عن أعين الجميع، فلم يشعر أي أحد من أفراد أسرته بنيته تنفيذ عملية، وهو شجاع لا يهاب أحدًا”.

كان عمر أساس البيت، وعمودًا من أعمدته القائم عليها، فهو من يقضي جميع مشاوير البيت ويلبي احتياجاته، فهو “زُمبرك” البيت، حسب وصف والده، وكان الطبيب الخاص لوالدته المصابة بالجلطة، فهو الوحيد الذي يعرف مواعيد أدويتها، وهو من كان في كل عام مع ثبوت هلال رمضان يعلق الزينة في أرجاء البيت، واليوم مقعده على سفرة رمضان في الفطور والسحور فارغًا منه ومن عطره.

من جهة ثانية يرى والد الشهيد أن شهر رمضان هذا العام هو الأصعب الذي يمر عليه منذ بداية حياته، يقول: “هذا أصعب رمضان يمر علي في حياتي، فلا طعم للطعام، أما والدته فلا ترغب بإعداد أصناف الطعام التي كان يحبها؛ فالجرح لما يلتئم”.

ويبين أنه بعد استشهاده أصاب والدته المرض، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي جاء مصطحبًا معه ذكرياتها مع الشهيد عمر اشتد عليها ألم المرض، وتدهورت حالتها الصحية.

ويختم والد الشهيد حديثه بالقول: “الجميع حزناء جدًّا على استشهاده، فكل زاوية في البيت تحفظ له ذكرى، رحمك الله يا عمر”.

غزة – هدى الدلو

   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.