“زوجة فلسطينية مهددة بالطلاق والعِصمة بيد معبر رفح “

     

رام الله مكس

رفح – رنا الشرافي فاجأها المخاض في ليلة صيفية باهتة ومظلمة.. زوجها مصري الجنسية مسافر إلى محافظة الإسماعيلية، وهي في بيت الزوجية في مدينة العريش، وكأي فتاة مغتربة كانت تنهش روحها الوحدة، وكلما جنَّ الليل عليها وازداد عتمة، زاد إيقاع المخاض ألمًا، وازدادت غربتها وحشة.

حنان السواركة، هي شابة فلسطينية متزوجة من قريبها مصري الجنسية، عادت لزيارة أهلها ولم تتمكن من العودة إلى زوجها ومنزلها وهي على هذا الحال منذ أكثر من عام ونصف، تنتظر معبر رفح أن يفتح لها طريقًا للعودة، أو يأذن بطلاقها.

رصاصة في فؤاده

في تلك الليلة الصعبة، لم تعرف حنان بمن تستنجد، وحلكة الليل كانت ترهبها وتمنعها من طلب النجدة، وكيف تخرج ليلًا؟! (..) انحنت ألمًا إلى الأرض وفي سرِّها تطلب من الله فرجًا، وأن يلهم جنينها الصبر حتى يبزغ الفجر، لكن هذا الجنين كان مشاكسًا ومتسرعًا للقاء والدته، فلم ينتظر طويلًا.

دفعها ودفعته، وظلا يراوغان حتى رأى بصيص النور والحياة في شقة والده، لتكون والدته هي أول من يراه، وأول من يؤذن في أذنه، وأول من يربت على ظهره لتنطق شفاهه بصرخة الحياة، وحينها فقط تذكرت “حنان” والدها أبو ياسر السواركة، الذي لطالما كان أميرها ومدللها وحاميها من كل نائبة.

خنقتها العبرة حتى فاضت عيناها بالدموع، لكن صوتها أبدًا لم يجرؤ على العويل، فهي لا تريد لطفلها أن يكون أول ما يتناهى إلى مسامعه صوت بكاء ومشاعر حزينة، واستجمعت قواها كاملة حتى تتصل بوالدها المقيم في مخيم دير البلح لللاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة، لتخبره أنها أصبحت أمًا للمرة الثانية.

“يابا أنا ولدت لحالي في البيت وزوجي مسافر..”، صبت حنان كلمتها كالرصاص في فؤاد والدها الذي تخيل كيف لامرأة أن تلد وحدها وفي الحالات العادية تصطحب جميع أهلها للمستشفى للتخفيف عنها ولا يتمكنون من ذلك.

لم يتمالك الأب نفسه وأخذ يروي لصحيفة “فلسطين” تفاصيل تلك الواقعة، وفي عينيه تلألأت الدموع: “هذا الطفل _وأشار إليه_ هو مأساة بحد ذاتها، هو مأساة تمشي على الأرض منذ أن ولد وبعد مجيئه مع والدته إلى قطاع غزة حيث اكتشفنا أنه يعاني من مرض هشاشة العظام في ساقيه”.

وأضاف: “لم أتخيل كيف لابنتي أن تلد وحدها في المنزل، وأنا هنا لا أستطيع الوصول إليها أو مساعدتها بأي شيء، فقمت بالاتصال بزوجها وبأقربائنا في مصر القريبين منها لنجدتها، وفي صدري ضاقت الأرض كلها، فأنا لا أملك لها إلا الدعاء، وهي هناك تعاني آلام الولادة.

في اليوم التالي لتلك الواقعة، حضر الزوج وأخذ الطفل المولود إلى المستشفى، وأطلق عليه اسم أحمد تيمنًا بجده لوالدته والذي كان صاحب السبق وبلغ الزوج بأنه رزق بطفل جديد.

حتى أرى عائلتي

هذا الموقف أثر في نفس حنان كثيرًا، والحنين إلى والدها وأمها وأشقائها زادها لوعة، فهي لم ترهم منذ عامين ونصف تقريبا، منذ زواجها وحتى لحظة الولادة الثانية، وهذه هي المرة الأولى التي تترك فيها منزل أبيها ليبتعد بغير رجعة.

ستة أشهر مضت على تلك الحادثة، عندما أعلنت السلطات المصرية فتح معبر رفح، فكانت حنان أول العائدين مع ولديها، حيث قررت بالاتفاق مع زوجها أن تأتي في زيارة لعائلتها لمدة شهر واحد ومن ثم تعود إلى زوجها وبيتها، وكان لها ما أرادت من رؤية للأهل لكن المعبر حال دون تنفيذ الشق الثاني من الاتفاق والقاضي بعودتها بعد شهر واحد.

علقت حنان في قطاع غزة منذ عام ونصف، وفي كل مرة يُعلن فيها عن فتح المعبر تقوم بالحضور هي وطفلاها برفقة والدها لعلها تتمكن من السفر، وفي كل مرة بعد انتظار ساعات وساعات تعود إلى عائلتها بخفي حنين، هذا المشهد اعتادته عائلة حنان وأصبح يوم سفرها يوم حزن للعائلة لأنهم متأكدون من عودتها بسبب ظروف المعبر وإجراءات السفر المتعسرة دومًا.

عام ونصف ولا تزال حنان تحضر إلى صالة المسافرين وإن لم يكن اسمها مدونًا في كشوفات السفر، لعل قدرها يكون قد أذن لها بالعودة إلى زوجها خاصة وأنها تحمل إقامة سفر مصرية لجواز سفرها الفلسطيني، أما ولداها فيحملان جنسية والدهما المصرية.

طفلاها كبرا، وأصغرهما “أحمد” –بطل المغامرة في تلك الليلة- اكتشفت حنان إصابته بمرض هشاشة العظام، والسنوات تمر، ووالدها الذي كان سعيدًا بعودتها هو الآن يبذل قصارى جهده لإعادتها إلى بيتها وزوجها.

والدها عن حالها يقول: “مرض الطفل زاد إحباطي وأسفي على حالها، وقد سعيت لعلاجه بشتى السبل حتى يعود إلى والده معافى، والحمد لله هو بخير الآن لكن والدته ليست بخير”.

حنان تلك الفتاة المنقبة الخجولة، صمتت للحظة قبل أن تمسح دموعها وتعاود الحديث معنا مرة أخرى، لتقول: “أريد أن أعود إلى زوجي وبيتي”، متسائلة: “ما الذي يمنعني من ذلك؟ وما الجريمة التي ارتكبها طفلاي حتى يحرما من والدهما؟”.

وأشارت إلى طفليها الذين جلس أحدهما بجوارها والآخر في حضن جده، وتابعت: “محمد أصبح عمره 3 سنوات، وأحمد عمره الآن عامين، لم يكن يمشي عندما حضرت إلى هنا وهو الآن أصبح زلمة”.

حنان.. حياتها مهددة بالدمار، فهي معرضة للطلاق بأي لحظة، عام ونصف وزوجها ينتظر عودة الغائبين، وحتى متى سيبقى منتظرًا؟!.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.