رفيقا الإعدام والزنزانة 139 – رام الله مكس

رفيقا الإعدام والزنزانة 139

   

رام الله مكس – كتب يامن نوباني

بعد اشتباك دام ست ساعات في جبل الدرجات ببلدة بيت فوريك، في 9 تموز/ يوليو1969، استشهد نصر حسن نصر الله، وعبد الرحيم حنني، وأسعد مناع مليطات، وأصيب إبراهيم الخاروف. ألقت قوات الاحتلال على أخطر الخلايا العسكرية التابع لحركة فتح في الضفة الغربية، وكان من أبرز الأسماء فيها: محمود فتحي الألفي وعصام الشايب.

14054174_10208946890816971_1004116268577915003_n

بعد 11 شهرا على الاعتقال، ردد الألفي والشايب: “عاشت فلسطين حرة عربية، تحيا فتح، الله أكبر”، لحظة سماعهما من أحد المحامين من الناصرة أن المحكمة العسكرية الإسرائيلية في نابلس حكمت عليهما بالإعدام، بتاريخ 19-8-1970، وكان ذلك أول حكم بالإعدام على أسرى فلسطينيين.

عدة تهم وجهت للألفي والشايب، أبرزها قتل أربعة عملاء بارزين للاحتلال، ومحاولة اغتيال الحاكم العسكري في نابلس شاؤول جدعوني، ومهاجمة مقره بالقنابل اليدوية، والقيام بعمليات أخرى ضد قوات الاحتلال، منها هجوم دير شرف، وهجوم وادي التفاح، والاشتباك مع قوات الاحتلال في بيت فوريك، وهي المعركة التي اعتقل فيها الألفي والشايب ورفاقهما.

14045859_10208946891816996_5639465976778905766_n

أعقاب وفوهات بنادق جنود الاحتلال تنهال على جسديهما داخل قاعة المحكمة، قبل أن يتم نقلهما الى النظارة، حيث بدأ مسلسل الإرهاب النفسي، ثم نقلا إلى زنزانة “139” في سجن الرملة، حيث يحتجز أخطر المعتقلين.

بدأت الحكاية، حين قابل الحاج محمد عفانة الطالب في الصف الحادي عشر في مدرسة الغزالية (ابن الهيثم اليوم) محمود الألفي، في مكان قريب من منزله في البلدة القديمة بنابلس، وقال له: عمّي محمود بدي اياك تكون مثل أبوك، اعتبر نفسك من اليوم ابن فتح.

يقول الألفي: أنا أصبحت ابن فتح! لا أصدق، فتح التي أسمع عنها في الراديو، عبر إذاعة العاصفة التي كانت تذيع من بغداد، ونسمع عبر موجاتها العمليات الفدائية والفدائيين والكفاح والأغاني الثورية. كانت تعبئ فينا الروح الوطنية والمعنوية، انتابني يومها فرح عظيم، وحين دخلت البيت سألتني أمي سبب سروري ودهشتي، ولم أجبها بأنني أصبحت ابن فتح.

يتابع: بعد ثلاثة أيام بعث لي الحاج عفانة، الذي تربطه علاقة جيدة بوالدي فتحي الألفي، حيث كان يصنع لهم القنابل والسلاح في محددته، ويتم توزيعها على الثوار عام 1936، مرسالا يطلب فيه أن نلتقي في حوش العطعوط، وصاحبه أبو السعيد بعارة، وهو الحوش الذي كان فيه ياسر عرفات خلال فترة مكوثه في نابلس. ذهبت ووجدت الشهيد أبو هيثم نصر الله، وأبو السعيد بعارة، والحاج محمد عفانة، دخلنا غرفة تتوسطها طاولة، وضع فوقها شعار العاصفة ومصحف، وقال لنا الحاج محمد إن اجتماعنا لنقسم قسم الفتح: أقسم بالله العظيم أن اقوم في واجبي، باتجاه شعبي وأرضي وأن أحافظ على فتح وأسرارها، وأن لا أخون أسرارها. هذا قسم والله على ما أقول شهيد.

Capture

بدايات العمل الفدائي لفتح في نابلس

وحول بدايات عمله الفدائي يقول الألفي: أنتمي لعائلة بسيطة، كان والدي ميكانيكي زمبركات وحدادة، في سن الرابعة عشرة شاركت في مسيرات حركة القوميين العرب، كان على رأسها بسام عزت اللداوي، ومحمود زعيتر، كانت مهمتي حمل أعلام فلسطين وصور جمال عبد الناصر، كانت الهبة القومية في أوجها وكان هناك تأثر كبير بها في نابلس، التي كانت تعتبر عاصمة القوميين العرب.

أوكل لي الحج محمد تنظيم الطلبة، كنا في مرحلة فيها شغف لسماع أخبار العمل الفدائي، وكان العمل العسكري في بداياته، فوضعنا خطة في البداية لتصفية عدد من العملاء الكبار، الأمر الذي لاقى استحسانا من شعبنا، ثم استهدفنا مقر الحاكم العسكري في نابلس وهو شاؤول جدعوني، والمقر هو بلدية نابلس مقابل مخفر الشرطة حاليا، بعدد من القنابل اليدوية، وكان للعملية صدى واسع، ثم استهدفنا مقر العمل، حيث كان العمل رافعة للاحتلال، ويساعدهم في حل مشاكل كثيرة، كنا نعتبر كل عامل ينزل الى إسرائيل للعمل هو ينوب عن جندي في الجبهة، أصدرنا بيانا نحذر فيه من التوجه للذهاب الى العمل في إسرائيل، فكان هناك استجابة خفيفة مما اضطرنا لضرب قنابل على الحافلات التي تنقل العمال وهي فارغة وحرقها وكان ذلك في العام 1968، فكان لذلك صدى وتخلى عمال كثر عن نزولهم الى إسرائيل، ثم فجرنا عبوة أمام أحد المطاعم الواقعة قبالة بئر يعقوب على مدخل مخيم بلاطة بهدف تخويف صاحب المطعم الذ كان يستقبل فيه رجال المخابرات وجيش الاحتلال، ثم عدنا لقتل أحد العملاء ثم ضرب مقر الحاكم العسكري من جديد، وفي 14-7-1968 ضرب الاحتلال طوقا حول البلدة القديمة، وكان يقوم بتفتيش المارة مستخدما طريقة التشخيص، والتي يستخدم فيها عملاء يلبسون أكياسا سوداء اللون، ويقومون بتفحص المواطنين، فاعتقلوا شابا نظمه حسين يعيش وهو أحد المنتمين إلى خلاياي، وتم اعتقاله بعد ساعة، فاجتمعنا أنا وعصام الشايب وسليم فريتخ، وكانت هناك مجموعة قادمة من الأردن فيها إبراهيم الخاروف وعبد الفتاح حمايل في قاعدة لفتح في زواتا. ليلا جاء الاحتلال لبيتي وبيت سليم وعصام، فعرفنا أننا أصبحنا مطلوبين.

هجوم دير شرف ومعركة بيت فوريك

يقول الألفي: كانت لدينا ستة صواريخ “روكت لانشر” قررنا ضربها على معسكر للاحتلال في سهل دير شرف، لم نكن نحصي خسائر العدو لكننا شاهدنا وسمعنا هبوط وإقلاع الطائرات وسيارات الإسعاف، ثم توجهنا بعد الهجوم إلى جبال عصيرة الشمالية بقيادة أبو محمد صدقي جوابرة، ووضع أهالي عصيرة في مكان خطواتنا النتش والفلفل الأسود لقطع محاولات الاحتلال في تعقبنا، وفي اليوم التالي عدنا الى زواتا، ثم هاجمنا قوة عسكرية في وادي التفاح، ودار بيننا اشتباك، وانسحبنا إلى بيت فوريك، وأعضاء خليتنا هم: محمود الألفي، وعصام الشايب، وسليم فريتخ، وإبراهيم الخاروف، وأسعد مناع، وعبد الفتاح حمايل، ونصري حنني، وشاهر عبد الكريم، وعبد الكريم ارحيم، وعبد الرحيم.

خلية تابعة لفتح كانت في مكاننا الأول، انتقلت الى جماعين قبل اثني عشرة يوما من وصولنا، واكتشف أمرها فدار بينها وبين الاحتلال اشتباك استشهد خلاله عدد منهم، الخلية بعثت الفتى (ي.ش) إلينا ليحمل لهم السلاح، وذلك في 7-9-1968، حيث قبض عليه الجنود وهو يقود حمارا محملا بالأسلحة، فحملوه في طائرة مروحية الى الجبل الذي نتواجد فيه. وحضر ما يقارب 100 دورية لمكان قاعدتنا، حيث بقي الاحتلال طوال الليل يحشد قواته، وعند الخامسة والنصف فجرا، بدأ الاشتباك واستمر حتى الحادية عشرة ظهرا، حيث نفدت ذخيرتنا.

يقول الألفي: قائد المعركة الإسرائيلي كان اسمه حانوخ، جاء إلينا رفقة شاؤول جدعوني، الذي سأل: ايفو ألفي؟ (أين الألفي؟)، فقال له جندي: زي ألفي (هذا الألفي).. اقترب مني وسألني: ألفي شو بيني وبينك؟ فقلت: الكثير. ثم جاءني يوسف الطبري وهو من المخابرات، قال لي: بتعرفني؟ فقلت: لا. فشتمني أنا واهلي بشتائم قبيحة جدا، ووضع مسدسه على رأسي وأطلق رصاصة قريبة.

يتدخل عصام الشايب، ليتابع عن رفيق دربه، ويروي تفاصيل أخرى: يومها انقسمنا إلى ثلاث مجموعات وكنا بحدود تسعة أشخاص، استشهد ثلاثة منا وأصيب إبراهيم الخاروف، داسونا ببساطيرهم وأقدامهم، وهبطوا بنا عن الجبل إلى الطريق التي كانت تتجمع فيه القوات، وربطوا الشهداء الثلاثة، إضافة الى الجريح الخاروف ظنا منهم أنه ميت، في حبال وطاروا فيهم فوق القرى المحيطة، لترهيب كل من يحاول أن يقوم بعمل فدائي، ولاحقا استشهد الخاروف متأثرا بإصابته التي أقعدته.

الحكم وسجن نابلس

وفي تفاصيل جلسة الحكم، يقول الألفي: بعد 11 شهرا من اعتقالنا، دخلنا المحكمة العسكرية في سجن نابلس المركزي، وكانت تعج بالقيادات والرتب العسكرية، حتى أنه لم يبق مكان لتواجد أهالينا، فدخل عن كل واحد منا واحد فقط من أهله، وبقينا واقفين لأكثر من ساعة والقاضي يتلو الحكم، وكان يترافع عنا المحاميان وصفي المصري وحسين الجاغوب، ولم يترجما الحكم، كانوا ثلاثة قضاة ثم خرجوا، فسألنا المصري عن الذي حدث، فقال: يمكن أجلوا المحكمة، فسمعنا محامي من الناصرة كان متواجدا فقال للمصري: يا أبو عمر هذول انحكموا، فقلنا له شو انحكمنا، فقال: إعدام. رد المصري مندهشا: شو إعدام؟ قال المحامي الذي يتقن اللغة العبرية: إعدام، وهذا أول حكم إعدام في إسرائيل وسيصادق عليه وسينفذ.

ويتابع الألفي: وقع سجال داخل الكنيست، بين مؤيد ورافض لتنفيذ حكم الإعدام، حزب الليكود قال نعم للإعدام، حزب العمل قال لا، وحتى لا نجعل منهم أبطالا قوميين، ويتحول العمل الفدائي إلى نوعي، وحتى لا تتشوه صورتنا في العالم. وفي تلك الفترة رفعت منظمة التحرير الفلسطينية مذكرة للأمم المتحدة وتدخلت فرنسا، وخرجت مظاهرات في الضفة وغزة.

ويضيف الشايب: عدة أيام قضيناها في نظارة سجن نابلس المركزي، مليئة بالترهيب والوعيد، أجلسونا في غرفة واحدة ومنعونا من الاقتراب أو التحدث سوية، أدخلوا علينا ما يقارب العشرين جنديا وفتشونا عراة، في اليوم التالي فتحوا لنا على إذاعة لندن والتي ورد في أخبارها أسماؤنا والحكم علينا، ناهيك عن أن السجن والذي كان فيه ما يقارب الـ800 معتقل كان هادئا تماما، ما يوحي أنه يوم تنفيذ الإعدام، ولم نتحدث إلا ببضع كلمات اتفقنا فيها على أن نكون رجالا وعلى قدر حكمنا وقدرنا، وقلت له: سيعدموننا على الدوار أو في حوارة، ثم تذكرت قصة بعنوان “الذباب” لسارتر، حيث يحكم على شخص فيها بالإعدام فيصاب بانهيار عصبي وبكاء وخوف، حتى يقع أرضا، ويتم سحبه الى مكان الإعدام، أما نحن فعلينا أن نكون كسلفنا جمجموم والزير وحجازي.

الزنزانة “139” وسجن عسقلان

يقول الشايب: لاحقا، تم نقلنا لمدة 15 يوما إلى الزنزانة “139” في سجن الرملة، حيث القوارض والبق والفئران والرطوبة والجوع والشتائم، وفيها أيضا حبس الألماني أيخمن، والذي أعدمه الاحتلال فيما بعد.

ويضيف: بعد الزنزانة “139” نقلنا إلى سجن عسقلان، وهو المشهور آنذاك بوحشية سجانيه، فكانوا يطالبوننا بقول كلمة “سيدي”، وكنا نرفضها فنتعرض لضرب شديد، وتحدث الشايب، حول قسوة السجانين في تلك المرحلة، حيث كانوا يعدون للأسير حين يدخل الحمام، ويدخلون عليه بالعصي وهو يستحم، إضافة إلى إلزامه بلبس كامل الزي، والمنع من النوم نهارا وقول كلمة سيدي، وفي الفورة تضع يديك الى الخلف وتمشي لوحدك، وإذا تحدثت مع زميلك فإن العقاب يكون شديدا، كأن يتم نقلك الى الزنازين، أو الحرمان من زيارات الأهل، أو حرمانك من كتابة الرسائل. لاحقا أبلغنا مدير السجن رفائيل أنه تم تخفيض عقوبتنا إلى السجن المؤبد “مدى الحياة”، ثم أطلق سراحنا في العام 1983 خلال صفقة تبادل الأسرى.

كان الفدائي في ذلك الوقت “إنسانا مقدسا” وكانت البلدة التي يدخلها على استعداد للتكفل به في كل الجوانب وحمايته، لكننا -يقول الشايب- لم ندخل الى أي بيت، وكنا فقط نأكل وننام وننفذ عمليات من الجبال، “أحد شبان زواتا لحق بنا ونحن نمشي إلى بيت فوريك، وحمل كيسا وصار يلتقط التراب الذي ندوس عليه كذكرى وهو يبكي”.

ويروي الشايب: لولا أهالي القرى والمناطق التي كنا نتوجه إليها والذين كانوا يوفرون لنا الحماية وكل ما نحتاجه، لما استمرينا في العمل النضالي، وبعد 48 عاما من كل تلك التفاصيل أعتز أنا وهذا الإنسان –محمود الألفي- أننا لم نأت ولا بشخص بعدنا الى السجن، لم نعترف على أحد، لو أننا اعترفنا على من ساعدونا لملأنا سجنا بأكمله.

ينهي الشايب بقسوة السنوات الأولى من السجن: كان هناك راديو واحد يدور على كل الغرف، وكنا نشعر بالدهشة ونحن نستمع إليه، ذات مرة سرقنا أنبوب قلم وألصقناه في جدار الغرفة وطلينا فوقه حتى لا يتم اكتشافه، وصرنا نكتب به الرسائل لبعضنا والغرف والأقسام الأخرى، وذلك على الورق الذي يغلف علب اللبنة، بعد أن نقوم بتنظيفه وتنشيفه، وكان بزر المكانس وجبة شوربة رئيسية لنا، إضافة إلى بيضة صباحا لكل أسيرين، وفي آخر النهار بيضة لكل واحد مع أربع حبات زيتون، وكانت سجائرنا هي “الخنتريش” وهو من أسوأ أنواع التبغ على الإطلاق، ومليء بالسوس.

طيلة إجراء الحوار الذي أعد على مرحلتين، تداخل الحديث بين الألفي والشايب، وفي كل واحد منهما نهم لرواية التفاصيل وتذكّر أدقها، والأسماء التي كانت معهما.

مممممممممم

المصدر : وفا

   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.