إبراهيم ادكيدك .. دمٌ لم يجف بعد !

     

%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85

رام الله مكس

لم يكن صباح الثامن من تشرين الأول عام 1990 يختلف كثيرًا عن صباحات إبراهيم ادكيدك الأخرى، ولكنه لم ينته عاديًا كبقية الأيام.

فجر الاثنين، استيقظ إبراهيم ابن السبعة عشر عامًا على نداء أبيه المعتاد لصلاة الفجر. أدى فرضه وتناول فطوره المصنوع بحب أمه الطيبة وتحضّر للذهاب إلى مدرسته.

كان من المقرر أن يتقدم إبراهيم في ذلك العام لامتحان الثانوية العامة في التخصص العلمي الذي أحبّ مواده وتفوق بها دومًا ولا سيما الرياضيات.

لم يغب عن ذهن أمه التي تخاف على صغيرها الوحيد بين أربع أخوات، أن تحذره من الذهاب للمسجد الأقصى في ذلك اليوم، فالتوتر والترقب كانا سيد الموقف في مدينة القدس بعد أن أعلنت منظمة “أمناء جبل الهيكل” نيّتها اقتحام الأقصى ووضع حجر الأساس للهيكل تزامنًا مع عيد العرش اليهودي في ذلك اليوم.

ابتسم إبراهيم لأمّه قبل أن يقبّلها ويغادر مجيبًا “يا إمي في أروع من إنه أموت في المسجد الأقصى”، وخرج.

ذكيٌ وصاحب همّة

إبراهيم أو كما اعتاد الجميع مناداته “برهوم”، كان قد قضى صيف ذلك العام يبيع الفلافل في شعفاط، حتى يستطيع تجميع قسط مدرسته ومساعدة والده في مصاريف البيت.

تمكن، بفضل همته وذكائه الحاد من دفع قسط مدرسته لوحده، وتقدم لامتحان الشهادة العامة للتعليم البريطاني(GCE) وتفوق فيه، كما حصل على بعثةٍ دراسية في الخارج.

إلى مدرسته الفرير، توجّه إبراهيم الذي أحبّه كل أبناء الحي وشهدوا له بالطيبة والاجتهاد، جمع أصحابه وتوجهوا سويةً للمسجد الاقصى، فوقع ما كانت تخشاه أمه.

توتر الاحداث في الأقصى

ما أن أنهى إبراهيم صلاة الضحى مع جموع المقدسيين الذين استعدوا وتأهبوا لذلك اليوم، حتى بدأ التوتر يزداد في باحات المسجد.

بدأت قوات الاحتلال بالاندفاع من باب المغاربة والتمركز هناك، عدا عن القناصة التي حضّرت بندقياتها الغدّارة على سطوح البيوت المجاروة وسطح المدرسة التنكزية.

العاشرة و45 دقيقة، ألقى الاحتلال على مجموعة من النساء المتواجدات قرب صحن الصخرة الشرقي “تجاه باب الاسباط” مجموعة من قنابل الغاز، فثار المصلون وتعالت نداءات “الله أكبر” الغاضبة في أرجاء الأقصى، وبدأ زخ الرصاص ينهال من كل حدب وصوب.

حاول إبراهيم الوصول إلى المصلى القبلي للاحتماء داخله في الوقت الذي لم تستجب فيه قوات الاحتلال لأئمة المسجد عبر مكبرات الصوت بإيقاف إطلاق الرصاص الحيّ والقنابل المسيلة للدموع. أصبح الناس يصابون عشوائيًا ومن كل الجهات، فالرصاص ينهال من باب المغاربة والأسباط والسلسلة وباب حطة والأسطح المحيطة.

عشرون دقيقة متواصلة من إطلاق النار بحقدٍ وغوغائية وسط هلع وصدمةٍ سيطرت على عقول الفلسطينيين، والذين لم يجدوا سوى الحجارة لصد الهجوم ومحاولة الدفاع عن أنفسهم وأرواحهم.

مئات الرصاصات القاتلة أطلقها جنود الاحتلال فأصابت ما أصابت من شبانٍ ونساء وكهلة وشيوخ انتهت بالعديد من الشهداء والإصابات الخطيرة، وبستِّ رصاصات في جسد إبراهيم الفتيّ.

واستشهد إبراهيم ..

عند متوضأ الكاس وقبل أن يستطيع إبراهيم الوصول إلى الجامع القبلي أصُيب بست رصاصات قاتلة. استقرت إحدى تلك الرصاصات في عنقه الذي تعب من السهر طويلاً على امتحانات الفيزياء والعلوم والرياضيات، فيما أصابت رصاصة أخرى خاصرته التي لطالما سند عليها بسطته الصغيرة وهو ينقلها أمام باب بيته، وفي قدميه الشابتين اللتين اعتادتا ارتياد الاقصى كل جمعة استقرت أربع رصاصات أخرى.

لم يحتمل جسد إبراهيم الشاب غدر الرصاصات الستة ولا كمية الحقد التي حملتها حتى أسلم الروح واستشهد فورًا مكانه.

بدأت سيارات الإسعاف، والتي عرقل الاحتلال طريقها وأطلق النار عليها وأصاب من فيها، بنقل الشهداء والجرحى بشكل تتابعي إلى مستشفى المقاصد ومستشفى المطلع في القدس، وكان إبراهيم من بينهم.

21 شهيداً واكثر من 150 جريحاً، حصيلة المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال عن قصدٍ وسابق ترتيب، في الأقصى، حيث منعت السياح الاجانب من دخول المسجد في ذلك اليوم، وتعمّدت إصابة المتواجدين بنية قتلهم.

لم تصدق أم إبراهيم حين اخبروها بأن ابنها الوحيد مصاب فقط وما زال حيّا في المشفى، فحدس الأم كان أقوى من ألف شخص يحاول إقناعها.

وصل جثمان إبراهيم بيت أبيه للمرة الأخيرة للوداع، فلم تحتمل عائلته رؤيته أكثر من دقيقة واحدة حتى انهارت أمه. لم تتوقع أم إبراهيم أن القبلة التي أعطاها إياها صباحاً، كانت القبلة الأخيرة.

في جنازة مهيبة ضخمة تليق بإبراهيم الذي دخل قلب كل من رآه خرج المشيعون، المئات جاءوا من كل أرجاء القدس والخليل لتشييع جثمان واحدٍ من أصغر شهداء مجزرة الاقصى. ازدحمت شوارع قرية شعفاط بكلّ من عرف إبراهيم ومن لم يعرفه، حتى دفن ووري الثرى في مقبرة شعفاط.

مرّ أسبوعٌ على استشهاد إبراهيم، وانتهت أيام العزاء بفتى الحي الخجول الذي لم يتوانى يوماً عن تقديم أي خدمةٍ لمن احتاج. غاب عن سريره وكتبه وأريكته، فقدت أخواته الأربعة روح المرح والدعابة الذي تعودوا منه عليها، استشهد إبراهيم.

لم يغب إبراهيم عن بال أحد من أحبائه قط، ففي يوم صدور نتائج الثانوية العامة لذلك اليوم، أصدر أصدقاؤه شهادةً من المدرسة وختموها باسمه الكامل، وتوجهوا بها إلى أمه الثكلى مع صورة كبيرة له علقتها بعدها لسنوات في فناء البيت.

جرح لم يغلق حتى انفتح مجدداً

وفي الخامس من تشرين الأول العام الماضي، وبعد خمسة وعشرين عامًا على استشهاد إبراهيم، شاءت الظروف أن يفتح قبره للمرة الأولى استعدادًا لدفن الشهيد فادي علون، الذي استشهد في المصرارة برصاص الاحتلال، بجواره.

في ذلك اليوم، لم يفتح قبر إبراهيم فقط، بل فتحت معه كل جروح الماضي وكأنه استشهد للتو.

أصرت أم إبراهيم أن تنزل إلى قبر ابنها الوحيد لتقبّله وتعانقه طويلاً لتذيب ألم فراق 25 عامًا.

ومن كرامات الشهيد التي لطالما سمعنا عنها، ما وجدوا عليه حال إبراهيم كما استشهد قبل ربع قرن، بحذائه البني وبنطاله الجينز التي امتلأ بدمائه الطاهرة، عدا عن رائحة المسك التي تحدث عنها كل من تواجد في المقبرة ذلك اليوم.

يصادف اليوم ذكرى مرور 26 عامًا على استشهاد إبراهيم محمد علي ادكيدك، الذي سلبه الاحتلال من بين أحضان أمه وأخواته وكل من أحبه، ليترك جرحاً عميقاً يكبر مع مرور الزمن. وما زالت الدماء تقدم إلى يومنا هذا فداء لفلسطين.

 

المصدر : قدسكم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.